“العطلة الرسمية الطويلة”.. هل تحقّق نتائج إيجابية أم لها آثار سلبية؟

على أعتاب عطلة جديدة تبدأ من بعد يوم غدٍ الأربعاء ولغاية يوم الاثنين /6/ أيار القادم، ثمّة أسئلة يتمّ تداولها عن مدى الفائدة أو الضرر الذي يمكن أن ينتج عن تلك العطل الطويلة، خاصة وأن عطلة عيد الفطر لم يمضِ عليها إلا القليل، فبين موظف مبسوط لمثل هذه العطل الطويلة -التي يرى فيها فرصة للراحة وتوفير أجور مواصلات، وخاصة ممن يقطنون في الأرياف البعيدة عن المدن، وأيضاً فرصة للعمل بالأرض أو أي عمل حرّ يزيد من دخله ولو لبضعة أيام- هناك من يرى فيها انعكاسات سلبية على القطاع الإنتاجي بمختلف مجالاته إن لم تضبط ساعات العمل وتُدار بشكل جيد.

قرار مفاجئ

برأي الخبير الاقتصادي محمد كوسا ليس لقرارات العطل الطويلة آثار سلبية، وإن كان من أثر فإنه يكمن عندما يكون القرار مفاجئاً، وبالتالي يتعطّل عمل الكثير من القطاعات الاقتصادية الخاصة التي يتعلّق عملها ببعض القطاعات الحكومية، ليس لعدم علمها بقرار العطلة مسبقاً فقط، وإنّما لتقصير تلك الجهات في وجود خطّة بديلة لديها لاعتمادها بغية استمرار عملها بشكل صحيح، موضحاً أن الحكومة عندما تقرّر عطلة ما فهي تعطي للجهات الحكومية أحقّية تقدير هذا القرار وفق الظروف الاقتصادية والإنتاجية، ولفت إلى أنّه يحق لأي جهة أن تحدّد جدولاً بدوام عمّالها بما يضمن سير العملية الإنتاجية، على أن يتمّ تعويضهم في أيام لاحقة.

ساعات بطالة

ونفى الخبير الاقتصادي الشائعات التي تمّ تداولها على منصّات التواصل الاجتماعي عن تأثر عمل القطاع الإداري بسبب العطل الطويلة، باعتبار أن الأخير ينجز أعماله خلال بقية أيام الدوام، خاصّة وأن أغلب الموظفين في الكثير من الجهات ينجزون أعمالهم خلال خمس ساعات فقط، وتكون الساعات المتبقية هي ساعات بطالة، عدا عن أن أغلبية الموظفين يطلبون إجازاتٍ إدارية في الأيام التي تأتي بين عطلتين، لذا فمن غير المعقول تشغيل المؤسسة بطاقتها الإنتاجية الدنيا في وقت طاقتها الاستهلاكية العليا، مؤكداً على ضرورة توظيف كامل الطاقات واستثمارها في سبيل الإنتاج إذا كانت مستلزمات الإنتاج مؤمّنة.

راحة نفسية

وفيما يخصّ امتعاض الناس من قرارات العطل الطويلة دون الأخذ بالحسبان ضعف الدخل وفراغ الجيوب وانعكاس ذلك سلباً عليهم، يقول كوسا: هذا الأمر يعود لكل عائلة أو موظف، فهناك أشخاص يعملون وينجزون خلال أيام العطل بشكل أكبر، وبالتالي العطل تعطي الموظف فرصة أخرى ليزيد موارده أو ينجز أعمالاً متراكمة عليه، فمثلاً الأمهات أغلبهن يتفرّغن لتدريس أبنائهن خلال العطلة بشكل كبير ما يحقق عائداً معنوياً، بينما اللواتي لديهن أعمال أخرى مع القطاع الخاص أو يعملن لحسابهن أنجزن خلال العطل الطويلة موارد إضافية، لكن مَن ليس لديه عمل آخر يمكن أن يتأثر سلباً بالعطل لجهة احتياجه للصرف. وبغضّ النظر عن ذلك كله اعتبر الخبير الراحة النفسية أكبر عوامل زيادة الإنتاجية على مستوى الاقتصاد الكلّي، فهي تعطي جانباً من الكفاءة لإنجاز الأعمال بعد العطلة، ومن هنا يؤيّد كوسا تقليص ساعات العمل الرسمي ويرفض زيادة يوم عطلة ثالث في الأسبوع على خلفية ما يحكى وتروّج له مواقع التواصل الاجتماعي.

غير ملزم

أما ما يخصّ القطاع الخاص فهو لا يتقيّد بقرارات العطل التي تقرّها الحكومة وغير ملزم بها أصلاً، ويبقى مستمراً بالدوام وبالتالي تبقى العملية الإنتاجية مستمرة، وفق الخبير الاقتصادي، حيث يستقطب القطاع الخاص قوى عاملة سواء من عمال الدولة أم من غيرها خلال العطل، ضارباً مثالاً القطاع الزراعي، حيث إن أغلب الموظفين من بيئة ريفية، وبالتالي يعملون أعمالاً زراعية أثناء العطل وينجزون خلالها بشكل كبير، وكذا الحال بالنسبة للموظفين أصحاب المهن الحرفية، ولكن مسألة التداول “الشراء والبيع” تخفّ لأنها تعود إلى التاجر باعتبار أنه يكفيه ما يربحه خلال أيام السنة.

انخفاض التداول

وفيما يتعلق بتأثير العطل على انخفاض حركة الأسواق وانخفاض أو ازدياد سعر الصرف، أوضح الخبير الاقتصادي أن أسعار “سوق” الصرف لها اعتبارات أخرى، فقبل عطلة عيد الفطر كانت هناك حوالات خارجية بالعملة الصعبة، وهذا ساهم بهبوط الدولار أو العملات الأجنبية نوعاً ما، مع العلم أنه خلال أيام العطل العادية كالجمعة والسبت يكون هناك انخفاض بالتداول “شراء وبيع”، ولكن هذا لا يُحدث قفزاتٍ كبيرة بعد العطلة، فعلى سبيل المثال العطلة الماضية انخفض سعر صرف الليرة قليلاً بشكل ملحوظ لكن لمدة يوم واحد، وتمّت السيطرة عليه، لافتاً إلى عدم وجود سوق صرف عالية، وليس لدينا سياحة خارجية متاحة بشكل واضح تحقق مكاسب معينة، مبيّناً أن الذي يتأثر بسوق الصرف هو تمويل الاعتمادات المستندية، وهذا الموضوع يمكن أن تكون الحكومة قد حلّته قبل العطلة أو بعدها، أي أن تمويل المستوردات والصادرات ليس مرتبطاً كثيراً بموضوع إغلاق مراكز الصرف، فالحوالات كان لها دور كبير قبل العطلة، وليس بعدها، ولم يكن تأثّر سعر الصرف واضحاً خلال العطلة، بل بقي ضمن الحدود المقبولة، وخاصة تدخل الجهاز المصرفي أو الجهات المعنية لدينا، حيث حدّدت بعد العيد مباشرة سعر الدولار الجمركي وحدّدت أسعار الحوالات.

ترقّب العُطل

من الناحية الاجتماعية ترى الباحثة الاجتماعية ندى بعبع أن العطل أصبحت تُدخل الفرح إلى قلوب الموظفين وطلبة الجامعات والمدارس، وبسؤالها: لماذا أصبحت العطل تفرحنا بينما كنّا سابقاً متعلّقين بمدرستنا وبمكان عملنا؟!، أرجعت الباحثة الاجتماعية السبب إلى الظروف التي ولّدتها الأزمة، فالطفل اليوم عليه أن يتحمّل عبء الوصول إلى المدارس بوسائط النقل، وعند وصوله إلى مدرسته يكون في استقباله عبء المناهج الجديدة التي ترتّب أعباء من الناحية العقلية والمادية على التلميذ على خلاف المناهج السابقة التي كانت تمسّ الطفل من حيث عقله ومستوى مشاعره وطفولته، ما دفعه إلى ترقّب العطلة التي غدت ملاذاً له للعودة إلى طفولته من خلال الوقت الذي توفّره للعب.

فرحة التلاميذ بالعطل الطويلة يشاطره بها الموظف الذي يعاني عبء المواصلات من الناحية المادية التي أجبرته على الخروج قبل ساعات ليضمن وصوله في وقته، وكذلك الأمر عند العودة إلى منزله، فالأم العاملة أصبح عليها عبء كبير جداً، ومن المفترض أن تكون ساعات عملها ست ساعات دون حساب أربع أو خمس ساعات بدلاً عن ضائع في المواصلات، وعند عودتها إلى المنزل بانتظارها العناية ورعاية أبنائها ومتابعتهم دراسياً.

إذن العطلة الطويلة ملاذ للأسر العاملة التي فقدت لذّة الجمعة واللمّة بسبب الوقت الذي تقضيه خارج المنزل وقلّة الوقت للتباحث في مشكلاتها، لذلك هي بحاجة إلى هذه العطل بين الفينة والأخرى للتواصل مع الأقارب، فهي فرصة للعودة إلى إحدى ميزات مجتمعاتنا الشرقية.

انعكاس نفسي

وفي سياق حديثها تطرقت الباحثة الاجتماعية إلى مقارنة بسيطة ومهمّة بين الموظف سابقاً واليوم، حيث إنّ الموظف فيما مضى كان دخله جيداً والوقت لديه كان كافياً لممارسة هواياته والذهاب إلى المقاهي ولقاء الأصدقاء والبحث والخوض في أحاديث ثقافية، ولكن اليوم مع ضيق الحالة المعيشية وتدهور الوضع الاقتصادي لم يعُد هناك من متّسع للقيام بما يرغب ويروّح عن نفسه، حتى مشاهدة التلفاز غير متاحة لعدم توفر الكهرباء، وغير ذلك من أمور باتت مفقودة مما أثّر على الحالة النفسية والمزاج العام.

وفيما يخصّ تأثير العطل الطويلة على الأطفال، رأت بعبع أن لها سلبيات كما لها إيجابيات، فإن تُرك الطفل لفطرته وأهوائه وشغفه باللعب سينعكس ذلك سلباً على مستوى دراسته، ولكن في حالة مراقبة الأهل بالتأكيد يستطيعون تنظيم وقت أطفالهم بين اللعب والهواية والدراسة، ليعود الطفل إلى المدرسة بطاقة وحيوية وتحضير مسبق لمعظم مواده العلمية والدراسية، وكذلك هي الحال بالنسبة للموظف الذي يرتاح من إرهاق العمل ليعود إليه بهمّة عالية.

شارك