الثورة السورية – إخلاص علي
رغم ما تختزنه سوريا من ثروات معدنية غنية ومتنوعة، إلا أنها بقيت لعقود طويلة خارج دائرة الاستثمار الفعّال، نتيجة تداخل عوامل داخلية وخارجية أفقدت البلاد الاستقرار والثقة اللازمة لجذب رؤوس الأموال.
ومع دخول البلاد مرحلة جديدة تتجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً ومرونة، تعود هذه الثروات إلى الواجهة باعتبارها فرصة استراتيجية لدعم الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التقلبات العالمية والحاجة المتزايدة للموارد الأولية.
في هذا السياق، تبرز أهمية تهيئة بيئة تشريعية واستثمارية قادرة على استقطاب رؤوس الأموال، بما يتيح استغلال هذه الموارد بكفاءة وتحويلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية تدعم مسار التنمية وإعادة الإعمار.
وكشفت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية في وزارة الطاقة لصحيفة الثورة السورية عن خطة استثمارية لعام 2026، ترتكز على استغلال الموارد المعدنية ذات الجدوى الاقتصادية، وفي مقدمتها الفوسفات والرمال الكوارتزية والسجيل الزيتي، إلى جانب خامات صناعة الإسمنت.
وأوضح مدير عام المؤسسة، سراج الحريري، أن الفوسفات يشكل الركيزة الاستراتيجية للقطاع التعديني، حيث شهد عام 2025 تسويق وبيع نحو 711 ألف طن عبر نظام البيع الفوري، ما يؤكد قدرته على تحقيق عائدات سريعة.
وتستهدف الخطة، وفق الحريري، رفع الإنتاج وتوسيع التصدير، مع التوجه لتوقيع اتفاقيات استثمار تصل إلى خمسة ملايين طن خلال عام 2026، بالتعاون مع شركات محلية ودولية، مع التركيز على الصناعات التحويلية لتعزيز القيمة المضافة.
وأشار إلى أن تقديرات احتياطي الفوسفات في سوريا تبلغ نحو 1.8 مليار طن، ما يضعها ضمن الأكبر إقليمياً، فيما يمثل السجيل الزيتي مورداً استراتيجياً واعداً للطاقة على المدى الطويل، ومع ذلك، يواجه القطاع تحديات تتعلق بالبنية التحتية والحاجة إلى التكنولوجيا والاستثمارات، إضافة إلى بطء التحول نحو الصناعات التحويلية.
في مجال الطاقة، قال الحريري: إن الأنظار تتجه إلى السجيل الزيتي كمورد واعد، إذ تشمل الخطة إجراء دراسات لاستثماره في منطقتي خناصر ووادي اليرموك بهدف توليد الكهرباء، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتعزيز الأمن الطاقي على المدى الطويل.
ويُعرف السجيل الزيتي بأنه صخر رسوبي يحتوي على مواد هيدروكربونية وعضوية دقيقة، تتحول عند تعرضها لعملية التقطير أو التحطيم الحراري إلى وقود سائل نتيجة تحلل مادة “الكيروجين”، كما تنتج الغاز والكوك، وتتراوح القيمة الحرارية لأنواع السجيل المعروفة عالمياً بين 800 و3000 كيلو كالوري لكل كيلوغرام، ويمكن الاستفادة منه إما بالحرق المباشر لتوليد الطاقة، أو من خلال استخلاص الزيت والغاز ثم استخدامهما كمصدر بديل للطاقة، وتقدر احتياطيات السجيل الزيتي في سوريا بأكثر من 40 مليار طن.
أما الرمال الكوارتزية، فتُعد، بحسب الحريري، من الموارد الحيوية للصناعات المتقدمة، حيث تعمل الوزارة على تطوير استثمارها في مجالات الزجاج والإلكترونيات والألواح الشمسية، بما يدعم توجهات التصنيع المحلي ويعزز الاستثمارات في قطاع السيليكون.
وأضاف: في قطاع مواد البناء، تتضمن الخطة توسيع استثمار الحجر الكلسي والبازلت والطف البركاني، إلى جانب تحديث عمل المقالع وإدخال أنظمة رقابة إلكترونية لضبط الإنتاج، فضلاً عن استثمار الرخام والجبس والملح لتلبية احتياجات مرحلة إعادة الإعمار.
فيما يتعلق بالمعادن النفيسة، تحدث الحريري عن مؤشرات أولية لوجود الذهب والفضة، إلا أن استثمارها يتطلب تقنيات متقدمة واستثمارات كبيرة لتحديد جدواها الاقتصادية بدقة، كما تتوفر خامات للنحاس والحديد في شمال حلب، لكنها منخفضة التركيز وتحتاج إلى تقنيات معالجة متطورة، ما يجعلها ضمن خطط الاستثمار المستقبلية.
الشركة السورية للتعدين
على الصعيد المؤسسي، أشار الحريري إلى تأسيس الشركة السورية للتعدين كشركة قابضة، تهدف إلى تحديث إدارة القطاع ورفع كفاءته.
وأصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم /44/ لعام 2026 القاضي بإحداث الشركة السورية للتعدين (SMC)، مملوكة بالكامل للدولة وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط بوزير الطاقة، ويكون مقرها في دمشق.
وشدد الحريري على أن وزارة الطاقة تراهن في خطتها المقبلة على الشراكات المحلية والدولية، وتطوير البيئة المؤسسية، لتجاوز هذه التحديات وتحقيق الاستفادة القصوى من الثروات المعدنية، مع التركيز على الموارد الأكثر جاهزية للاستثمار، وفي مقدمتها الفوسفات والرمال الكوارتزية، مقابل استمرار أعمال الاستكشاف للمعادن الأخرى إلى حين تهيئة الظروف المناسبة لاستثمارها اقتصادياً.
تحديات أساسية
يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن الاستثمار في المعادن، لا سيما الثمينة منها، يمثل ركيزة استراتيجية لأي اقتصاد، لما يوفره من قوة وتأثير في موازين الاقتصاد العالمي، إلا أن الواقع السوري يواجه عقبات جوهرية، أبرزها ضعف البنية التحتية، وغياب التكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى نقص الخدمات الأساسية، كالاتصالات عالية الجودة.
وقال الدبس لصحيفة الثورة السورية: إن هذا النوع من الاستثمارات يتطلب رؤوس أموال ضخمة وخبرات تقنية متخصصة، وهي عناصر لا تزال محدودة في الوقت الراهن، ما يجعل جذب المستثمرين أمراً صعباً دون وجود بيئة قانونية واضحة ومستقرة تضمن حقوقهم.
ومن بين أبرز الإشكاليات أيضاً، بحسب الخبير، غياب التقنيات الحديثة اللازمة لعمليات الاستكشاف والتقييم الدقيق للموارد المعدنية، سواء من حيث الكميات أو الجودة أو الجدوى الاقتصادية.
وأوضح الدبس أن هذه الفجوة التقنية تعوق اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة، وتحد من قدرة الدولة على طرح مشروعات جذابة، وأضاف إن التحديات لا تتوقف عند هذا الحد، إذ لا تزال الحكومة تواجه صعوبات في إدارة الموارد الحالية، مثل قطاع النفط وبعض المناجم، التي تحتاج بدورها إلى استثمارات كبيرة وتحديثات تقنية، ما يجعل التوسع نحو مشروعات استراتيجية جديدة أكثر تعقيداً.
ويبقى نجاح استثمار الثروات المعدنية في سوريا مرهوناً بقدرتها على تحقيق الاستقرار، وتطوير بيئة استثمارية جاذبة، وتبني استراتيجيات طويلة الأمد توازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية الموارد من الاستنزاف أو الاستغلال غير المدروس.
