في إطار خطوات تهدف إلى ضبط سوق الصرف الأجنبي وتعزيز استقرار سعر العملة، يتجه مصرف سوريا المركزي إلى إطلاق منصة رقمية موحدة لتنظيم عمليات بيع وشراء العملات، في إجراء يعد من أبرز التحركات لإعادة هيكلة النظام النقدي وتعزيز الشفافية في البلاد، كما يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي بعد سنوات من العزلة.
ويأتي هذا التوجه ضمن إصلاحات نقدية ومصرفية أعلن عنها حاكم المصرف عبد القادر الحصرية، في تصريحات لوسائل إعلام على هامش مشاركته باجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن.
وأوضح الحصرية أن المشروع وصل إلى “مراحل متقدمة” في عملية اختيار الشريك الدولي، ويستهدف الوصول إلى سوق صرف “عادلة ومتوازنة”، مشيراً إلى أن المصرف المركزي نجح خلال الفترة الماضية في تحقيق “استقرار نقدي بجدارة”، وهو ما يشكل إحدى ركائز استراتيجيته في المرحلة المقبلة.
سوق افتراضية متكاملة
يرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم الحلبي، أن إطلاق منصة إلكترونية لتنظيم سوق الصرف قد يتضمن مرحلتين، الأولى جمع المصارف وشركات وكوات الصرافة في بيئة رقمية مشتركة، والثانية دمج هذه الأطراف بصورة مباشرة.
وأوضح الحلبي لصحيفة الثورة السورية أن المرحلة الأولى تتيح إثبات عمليات الصرف كافة من بيع وشراء وتحويلات وفق واقعها، وبالتالي منح المصرف المركزي قدرة فورية على متابعة مدى التزام الجهات المذكورة بأسعار الصرف “الاسترشادية” المحددة ضمن هوامش البيع والشراء، ومعرفة أطرافها من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، من الشركات الخاصة وغيرها، وهذا سيساعد في تطبيق معايير “KYC” (اعرف عميلك) و”AML” (مكافحة غسل الأموال)، ما يعني مزيداً من الضبط للسوق الموازية، وتخفيض هامش الفارق بين السعرين الرسمي والموازي، وكذلك خطوة مهمة لتأهيل السوق المالية السورية للاندماج مع الاقتصاد العالمي والاستفادة من رفع العقوبات.
ومعايير “KYC”و”AML” هي إجراءات مالية دولية تهدف إلى تعزيز الشفافية ومنع استخدام النظام المصرفي في الأنشطة غير المشروعة؛ إذ تركز الأولى على التحقق من هوية العملاء وفهم مصادر أموالهم وطبيعة نشاطهم، بينما تعنى الثانية بمراقبة العمليات المالية واكتشاف الأنماط المشبوهة والإبلاغ عنها، بما يضمن الحد من غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير القانونية.
أما المرحلة الثانية، وفق الحلبي، فيمكن أن تتضمن دمج هذه الأطراف بصورة مباشرة، بحيث تستطيع تنفيذ العمليات تجاه الاستيراد والتصدير عبر تقديم الثبوتيات اللازمة، وإجراء اللازم لدى الجهة المنفذة إلكترونياً، وبالتالي رفع مستوى المنصة من هدف الضبط والمتابعة إلى سوق افتراضية متكاملة.
والوصول إلى هذا المستوى يعني أن السوق المالية السورية أصبحت جاهزة للمعاملات المالية الدولية مع الأطراف الخارجية، وهو ما يُعد عاملاً حاسماً في جذب الاستثمار الأجنبي.
وأضاف الحلبي: إنه، وفق تجارب دول نظيرة، ينبغي على مصرف سوريا المركزي الاهتمام بمزيد من الشفافية فيما يتعلق بالتدخل الخارجي في عملية التنظيم، وبيان حدوده وارتباطه بالجوانب التقنية والتدريبية، بحيث تعود السيطرة الكاملة للمصرف المركزي.
وهذا عامل مهم لتفادي آثار الصدمة، التي قد تُحدثها هذه المنصة في سوق الصرف، وتجاوز تلك الآثار بسرعة نحو المكاسب المشار إليها.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن موضوع المنصة مرتبط بمدى قدرة المصرف المركزي على إثبات استقلاليته وموثوقية توجهاته في أداء دوره بتأمين استقرار العملة الوطنية، ومكافحة التضخم الناتج عن التلاعب بأسعار الصرف من جهة، أو إخراج الدولار من البلاد دون مبررات اقتصادية مثبتة وقابلة للمتابعة والقياس.
شروط أساسية
من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي فراس شعبو، أن خطوة إنشاء منصة رقمية لضبط سوق الصرف ضرورية، وتمثل أداة لمعالجة مشكلة عدم استقرار سعر الصرف وضبطه، لكنها لا تشكل حلاً جذرياً أو سحرياً.
وقال شعبو لصحيفة الثورة السورية: إن هذه الخطوة قد تفتح مجالاً أوسع لاقتراب المصرف المركزي من السوق ولعب دور أكبر فيها، بما يسهم في تعزيز الثقة وتوفير العملة الأجنبية، لافتاً إلى وجود تجارب مشابهة في دول أخرى، غير أن معظمها واجه إخفاقات، كما حدث في نيجيريا، نتيجة عدم واقعية سعر الصرف.
وأكد أن نجاح مثل هذه التجارب يتطلب شروطاً أساسية، أبرزها أن يكون سعر الصرف واقعياً وموحداً، وأن تتوفر فعلياً عملة أجنبية، إضافة إلى وجود ثقة بالمصارف أو شركات الصرافة.
واعتبر أن إنشاء منصة رقمية يتطلب إصلاحاً نقدياً واقتصادياً شاملاً، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الوقت لتهيئة الظروف المناسبة في سوريا.
وشدد شعبو على أنه لا ينبغي أن يتزامن وجود منصة تنظيمية مع استمرار السوق السوداء، لأن ذلك يعني فشلاً في التطبيق. وأوضح أن المطلوب في المرحلة الحالية يشمل ضبط سعر الصرف، إلى جانب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق بشكل أساسي، بما يحقق استقراراً مرناً وانفتاحاً مالياً أكبر على العالم، مع استعادة المصارف لدورها كوسيط بعد فترة تهميش استمرت نحو 15 عاماً لصالح السوق السوداء.
كما لفت إلى تساؤلات لا تزال قائمة حول الشركة الدولية المنفذة للمشروع، وما إذا كانت ستتعامل مع المصارف السورية الخاصة أو مع مصارف خارجية، إضافة إلى مصدر وحجم السيولة المتاحة، في ظل وجود مشكلة سيولة داخلية، متسائلاً ما إذا كان الحل سيكون عبر المصارف أو من خلال السوق الموازية التي قد تُستخدم كمصدر تمويل للمنصة.
وأشار إلى أن الانتقال نحو سوق صرف منظمة يتطلب إلغاء السوق السوداء متعددة الأسعار، وأن يكون هناك تدخل فعّال من المصرف المركزي، مشيراً إلى أن المصرف تمكن نسبياً من ضبط سعر الصرف، إلا أن هذا السعر لا يزال غير مستقر وأحياناً غير واقعي، حيث تشهد الأسعار تقلبات حادة.
وأضاف: إن المشكلة تتجاوز سعر الصرف لتشمل المستوى العام للأسعار، وهي إشكالية أساسية تحتاج إلى معالجة شاملة، معتبراً أن المنصة الرقمية قد تسهم في معالجة جزء من هذه التحديات، بما في ذلك مشكلة السيولة وأسعار الصرف
