أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن إطلاق سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب يعد محطة مفصلية في مسار الإصلاح النقدي، كونه يحدث لأول مرة في تاريخ سوريا، ويهدف إلى إعادة تنظيم سوق الصرف على أسس مهنية وشفافة تعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي.
وقال الحصرية في مقابلة مع قناة الإخبارية السورية مساء اليوم السبت: “إن هذه الخطوة تأتي ضمن توجه شامل لتطوير عمل المصرف المركزي ليواكب المعايير الدولية، وليقود عملية اندماج القطاع المالي السوري مع النظام المالي العالمي”، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تشهد تحولات جوهرية في بنية السياسة النقدية.
وأوضح الحصرية أن سعر الصرف يجب أن يعتمد على مجموعة من العوامل الأساسية، في مقدمتها العرض والطلب، إلى جانب التوقعات الاقتصادية والتطورات المالية، مؤكداً أن السعر الرسمي الذي يعتمده المصرف المركزي يعكس سياسة نقدية رصينة، بينما يجري العمل حالياً ليعكس السعر في السوق الواقع الحقيقي بشكل أكثر دقة وشفافية.
وأشار الحصرية إلى أن سوق الصرف في سوريا عانى خلال العقود الماضية من غياب التنظيم وهيمنة ممارسات غير مهنية، ما أدى إلى تشوهات كبيرة في التسعير، لافتاً إلى أن إطلاق السوق الجديدة سيُسهم في تجاوز هذه الإشكاليات عبر منصة إلكترونية حديثة تجمع جميع الأطراف الفاعلة، بما يضمن توفر المعلومات بشكل متكافئ وتحقيق تسعير عادل.
ونوه الحصرية بأن المصرف المركزي سيتولى تنظيم السوق المالي دون إدارته، وهو أمر بالغ الأهمية لضمان استقلالية السوق وفاعليته، مع الالتزام في الوقت نفسه بتطبيق الرقابة والمحاسبة على أي جهة تتلاعب بسعر الصرف أو تسعى لتحقيق مكاسب غير مشروعة من خلال المضاربات.
وشدد الحصرية على أن الاستقرار النقدي يعد “خطاً أحمرَ” بالنسبة للمصرف المركزي، وأن جميع الإجراءات والسياسات المتخذة تهدف إلى حماية هذا الاستقرار، لما له من انعكاسات مباشرة على معيشة المواطنين ومستوى الأسعار في الأسواق.
وبين الحصرية أن هناك عوامل إيجابية عدة يجب أن تنعكس على سعر الصرف في سوريا، من بينها تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، وبدء تدفقات نقدية من الخارج، إضافة إلى الانفتاح المتزايد على الأسواق الدولية، الأمر الذي يتطلب سوقاً منظمة قادرة على استيعاب هذه المتغيرات وترجمتها بشكل صحيح في التسعير.
وفي هذا السياق، أشار الحصرية إلى أن المصرف المركزي يعمل حالياً على منح السوق المالية مرونة مناسبة، بما يتيح لها التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، مع الحفاظ على التوازن بين حرية السوق وضبطها، بما يمنع التقلبات الحادة غير المبررة.
ولفت الحصرية إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه سوق الصرف يتمثل في الشائعات والمضاربات، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن أي ارتفاع في سعر الصرف يجب أن يستند إلى أسس فنية واقتصادية واضحة، وليس إلى المضاربة أو التلاعب، ما يستدعي إجراءات تنظيمية ورقابية للحد من تأثير هذه الظواهر على الاقتصاد الوطني.
وبين الحصرية أن تنظيم قطاع الصرافة يشكل جزءاً أساسياً من خطة الإصلاح، من خلال إنشاء أطر مهنية واضحة، وتعزيز الالتزام بالمعايير القانونية، وتوفير التدريب اللازم، بما يرفع مستوى الأداء ويحد من التجاوزات، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة أن يكون تسعير النفط داخل سوريا بالعملة السورية حصراً، وليس بالدولار، بما يعزز استقرار السوق ويحمي الاقتصاد الوطني من التقلبات.
وفيما يتعلق بالحوالات الخارجية، أوضح الحصرية أن المصرف المركزي اعتمد آلية تتيح تسليمها بالليرة السورية للحوالات الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل “ويسترن يونيون” ومثيلاتها وفق سعر المصرف مع هامش مرونة يصل إلى 15 بالمئة، بهدف تحقيق العدالة للمواطنين ومواكبة تحركات السوق.
وأكد الحصرية على أهمية ثقة المواطنين بالاقتصاد الوطني، داعياً إلى عدم الانجرار وراء الشائعات أو المضاربات، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب وعياً جماعياً ودعماً للجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار النقدي وتعزيز التعافي الاقتصادي.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي أعلن أول أمس الخميس، إحداث سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، كخطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، وذلك تنفيذاً لاستراتيجية المصرف، ولا سيما الركيزة الثانية المتمثلة في تحقيق سوق صرف متوازن وشفاف استناداً لقرار رئاسة مجلس الوزراء بهذا الشأن رقم 189 لعام 2025.
وفي وقت سابق اليوم بحث الحصرية مع ممثلي شركات الصرافة في سوريا، سبل تطوير قطاع الصرافة وتعزيز دوره في دعم الاستقرار النقدي، حيث تناول اللقاء مقترح استحداث جمعية للصرافة في سوريا، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، على أن تلتزم هذه الجمعية بأخلاقيات العمل المهني وبالضوابط والقواعد العالمية المعتمدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
