بعدما كانت جزءاً أساسياً من نمط الاستهلاك اليومي، تحولت اللحوم الحمراء تدريجياً خلال السنوات الماضية إلى مادة مرتفعة الثمن تشكّل عبئاً متزايداً على الأسر، لتتراجع بشكل واضح على موائد السوريين وتغدو أقل حضوراً في الحياة الغذائية اليومية.
وأظهر موسم عيد الأضحى الماضي تراجعاً واضحاً في انتشار الأضاحي، بعد أن كانت حاضرة على نطاق واسع لدى شرائح اجتماعية مختلفة، وذلك بالتزامن مع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وسجلت أسعار الأغنام واللحوم الحمراء قبيل عيد الأضحى مستويات مرتفعة، أعادت طرح تساؤلات حول أسباب هذا الارتفاع، وما إذا كان يعكس عوامل موسمية مؤقتة أم اختلالات أعمق في قطاع الثروة الحيوانية في سوريا، في ظل استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة دون مؤشرات واضحة على التراجع.
عوامل متشابكة
تعرض قطاع الثروة الحيوانية خلال السنوات الماضية لخسائر كبيرة، كما تضررت البنية التحتية الزراعية وارتفعت تكاليف الإنتاج وتراجعت الخدمات البيطرية. وتشير تقديرات رسمية إلى أن أعداد الأغنام في سوريا كانت تتجاوز 18 مليون رأس قبل عام 2011، قبل أن تتراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات اللاحقة نتيجة عوامل متعددة، من بينها نفوق القطعان والجفاف والتهريب وصعوبة تأمين الأعلاف.
وبحسب بيانات منصة إدارة الثروة الحيوانية التابعة لوزارة الزراعة، بلغ عدد الأغنام في المحافظات السورية حالياً أكثر من 14 مليون رأس، موزعة بين إناث وكباش وفطام، وذلك بعد عملية مسح شاملة للثروة الحيوانية نُفذت بين الرابع من آذار والتاسع من نيسان الماضي.
كما أدى خروج مساحات واسعة من المراعي الطبيعية عن الاستثمار خلال السنوات الماضية إلى زيادة اعتماد المربين على شراء الأعلاف، ما رفع تكاليف التربية، وأجبر عدداً من المربين على بيع أجزاء من قطعانهم أو التخلي نهائياً عن المهنة.
إلى جانب ذلك، تربط تحليلات الخبراء بين التوسع في تصدير الأغنام خلال الأشهر الأخيرة وبين دوره في ارتفاع الأسعار محلياً، في ظل نقص المعروض داخل السوق، إضافة إلى عوامل أخرى.
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس الجمعية الحرفية للحامين في دمشق وريفها والقنيطرة محي الدين الريس، أن الارتفاع المستمر في أسعار اللحوم يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، مشيراً إلى أنه لا يمكن فصل أسعار لحم الغنم والعجول عن واقع أسعار المنتجات الحيوانية الأخرى، لا سيما الفروج، إذ انعكس تحسن أسعاره خلال الفترة الماضية بشكل مباشر على أسعار اللحوم الحمراء، خاصة لحم الغنم، وفقاً لآلية العرض والطلب في الأسواق.
وقال الريس لصحيفة “الثورة السورية”، إن الطلب قبيل عيد الأضحى أسهم أيضاً في زيادة الإقبال على الأغنام، بالتزامن مع عمليات تصدير كميات كبيرة منها إلى خارج البلاد، ما أدى إلى تراجع المعروض في السوق المحلية وارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والمحروقات من أبرز الأسباب المؤثرة في زيادة أسعار اللحوم، لافتاً إلى أن تربية الأغنام في مناطق البادية تعتمد بشكل كبير على التنقل وتشغيل المعدات وتأمين مستلزمات الرعاية والإنتاج، وهي جميعها أنشطة تأثرت بارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات التشغيل، ما انعكس على التكلفة النهائية للإنتاج.
كما أشار الريس إلى وجود حلقات وساطة ومضاربة في السوق تسهم في رفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز أحياناً التكلفة الحقيقية للإنتاج، موضحاً أن تعدد الوسطاء بين المربي والمستهلك يؤدي إلى زيادة الأعباء السعرية على المنتج النهائي.
ولفت أيضاً إلى أن بعض الرسوم والالتزامات المالية والضريبية المفروضة على العاملين في القطاع تشكل عبئاً إضافياً في ظل الظروف المعيشية الحالية، مؤكداً أن تحسين بيئة العمل وتخفيف الأعباء عن المنتجين والمربين من شأنه أن يسهم في استقرار الأسعار ودعم السوق المحلية.
جدل التصدير
يعكس ارتفاع أسعار اللحوم تحدياً حقيقياً يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين دعم الصادرات من جهة، والحفاظ على الأمن الغذائي المحلي من جهة أخرى، إذ تسهم صادرات الأغنام في توفير موارد من العملة الأجنبية وتحقيق أرباح للمربين والتجار، في حين قد يؤدي استمرارها دون ضوابط واضحة إلى تراجع المعروض في السوق المحلية وارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة المواطن.
وأكد رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور عبد العزيز المعقالي، أن أسواق اللحوم الحمراء في مختلف المحافظات السورية تشهد ارتفاعات سعرية غير مسبوقة، ما أدى إلى خروج الأضاحي من متناول الشريحة الأكبر من المواطنين خلال عيد الأضحى لهذا العام.
وأوضح المعقالي لصحيفة “الثورة السورية” أن الأسواق في حالة من الركود، ولم يحركها موسم العيد، نتيجة تراجع القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات متدنية، لافتاً إلى أن كثيراً من المواطنين باتوا غير قادرين على شراء اللحوم الحمراء إلا بشكل محدود وعلى فترات متباعدة، بسبب تجاوز أسعارها لقدراتهم المالية.
وأشار إلى أن جولات ميدانية أجرتها جمعية حماية المستهلك في أسواق المواشي واللحوم قبيل العيد أظهرت أن أسعار الخراف تراوحت بين 970 و1050 ليرة جديدة (97-105 آلاف ليرة قديمة) للكيلوغرام الواحد، في حين يتراوح سعر كيلوغرام الخروف الأنثى بين 700 و780 ليرة (70-78 ألف ليرة قديمة)، مبيناً أن سعر الأضحية تجاوز 40 ألف ليرة (4 ملايين ليرة)، دون احتساب تكاليف النقل وأجور الذبح، ما جعل تقديم الأضحية هذا العام خارج حسابات معظم الأسر السورية.
ورأى المعقالي أن التصدير يمثل أحد أبرز الأسباب التي تقف وراء موجة الارتفاع الحالية، موضحاً أن السماح بتصدير الأغنام إلى الأسواق الخارجية أدى إلى تراجع المعروض في السوق المحلية وارتفاع أسعار اللحوم والأضاحي بشكل ملحوظ.
وأضاف أن الطلب على الأغنام السورية ازداد خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي صعّب تأمين الكميات المطلوبة محلياً ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
ولفت إلى أن سعر كيلوغرام اللحم وصل في بعض المناطق إلى نحو 3000 ليرة (300 ألف ليرة قديمة)، مشيراً إلى أن الأسعار بدأت بالارتفاع بشكل متسارع منذ نحو شهر نتيجة استمرار التصدير من جهة، وإحجام عدد من المربين عن طرح قطعانهم في الأسواق من جهة أخرى، ما تسبب في شح الكميات المعروضة.
القدرة الشرائية
رأى المعقالي أن ضعف القدرة الشرائية انعكس بوضوح على سلوك المستهلكين، حيث تراجع الإقبال على شراء اللحوم إلى أدنى مستوياته، وأصبح العديد من المواطنين يشترون كميات صغيرة جداً لا تتجاوز الأوقية أو ربع الأوقية، بدلاً من شراء الكيلوغرامات كما كان الحال في السابق.
وأضاف أن أسعار اللحوم ارتفعت بنحو 40 بالمئة مقارنة بالعام الماضي، وهي نسبة تفوق قدرة المستهلك السوري على التحمل، لافتاً إلى أن ارتفاع رسوم الموافقات الصحية الخاصة بالذبح بنسبة 100 بالمئة أسهم أيضاً في زيادة التكاليف النهائية، إذ يضيف القصاب هذه الرسوم إلى أجور الذبح، ما يرفع السعر الذي يتحمله المستهلك عند شراء الأضحية أو اللحوم.
في المقابل، أوضح المعقالي أن العام الماضي شهد ظروفاً مختلفة، حيث أدى الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف إلى طرح أعداد كبيرة من الأغنام في الأسواق نتيجة سعي المربين إلى تقليص خسائرهم، في حين أسهم تحسن الظروف المناخية وتوفر المراعي الطبيعية هذا العام في احتفاظ المربين بقطعانهم وعدم عرضها للبيع، الأمر الذي خفّض حجم المعروض في الأسواق.
وأشار إلى أن أسعار الأعلاف شهدت انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي، إذ تراجع سعر طن التبن من نحو 500 دولار إلى 100 دولار، كما انخفض سعر طن الحبوب من 400 دولار إلى نحو 225 دولاراً، إلا أن هذا الانخفاض لم ينعكس على أسعار اللحوم بسبب تراجع الكميات المطروحة للبيع وازدياد الطلب الخارجي على الأغنام السورية.
وأكد المعقالي أن الطلب الإقليمي على اللحوم والأغنام السورية شهد ارتفاعاً خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن الأردن استأنف استيراد اللحوم السورية الطازجة وتعاقد على استيراد نحو 400 طن من لحوم الضأن، في حين ازداد الطلب من دول الخليج العربي عبر العراق، ما أدى إلى استقطاب جزء مهم من الإنتاج المحلي نحو الأسواق الخارجية، بعد ارتفاع الرسوم الجمركية الأردنية.
وحذر من التراجع المستمر في أعداد الأغنام داخل سوريا، واعتبر أن تحسن المراعي الطبيعية هذا العام وتحقيق المربين لمكاسب أفضل لم ينعكسا إيجاباً على المستهلك السوري، وأسهما في تقليص المعروض المحلي ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
ودعا المعقالي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الثروة الحيوانية ومنع استنزافها، وتشديد الرقابة على عمليات التهريب والتصدير، بما يضمن تأمين احتياجات السوق المحلية والحفاظ على حق الأسرة السورية في الحصول على اللحوم الحمراء بأسعار مقبولة.
كما شدد على ضرورة إعادة النظر في سياسات التصدير الحالية، وتحقيق التوازن بين دعم الصادرات والحفاظ على الأمن الغذائي المحلي، متسائلاً عن جدوى استمرار تصدير الأغنام واللحوم في وقت باتت فيه شريحة واسعة من السوريين غير قادرة على شراء أكثر من كميات محدودة جداً من اللحوم الحمراء.
“طاولة مستديرة”
يشير أصحاب محال اللحوم إلى حالة ركود واضحة في الأسواق، مع تراجع وتيرة الشراء بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وهو ما انعكس انخفاضاً ملحوظاً في حجم المبيعات.
ورأى رئيس اتحاد الحرفيين في دمشق وريفها والقنيطرة المهندس محمد خالد تركماني، أن معالجة ارتفاع أسعار اللحوم تتطلب تطوير آليات عمل مشتركة بين مختلف الجهات المعنية، مشيراً إلى أهمية اعتماد “النافذة الواحدة” أو “الطاولة المستديرة” التي تجمع الجهات المختصة كافة، بما يتيح تبادل الآراء والمعلومات واتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
وأوضح تركماني لصحيفة “الثورة السورية” أن إحدى الإشكاليات الأساسية تتمثل في غياب الإحصاءات الدقيقة لأعداد الثروة الحيوانية، ولا سيما الأغنام العواس، مرجعاً ذلك إلى وجود دعم للأعلاف المقدمة لمربي المواشي، ما يدفع بعض المربين أحياناً إلى تسجيل أعداد أكبر من الفعلية للحصول على كميات إضافية من الأعلاف المدعومة، وهو ما يجعل البيانات المتوافرة لدى الجهات الرسمية غير دقيقة، وينعكس سلباً على القرارات المتعلقة بخطط التصدير وإدارة الثروة الحيوانية.
وأضاف أن اعتماد الجهات الاقتصادية على هذه الإحصاءات غير الدقيقة قد يؤدي إلى تصدير أعداد من الأغنام تفوق قدرة القطيع المحلي على التجدد والتعويض، ما ينعكس في تراجع أعداد الأغنام داخل البلاد وارتفاع أسعارها بشكل متواصل نتيجة انخفاض العرض مقابل الطلب.
وشدد تركماني على ضرورة ربط خطط التصدير بخطط الاستيراد للحفاظ على التوازن في السوق المحلية، مقترحاً اعتماد آلية تضمن استيراد كميات مناسبة من اللحوم مقابل الكميات المصدّرة، لافتاً إلى أن لحوم العجول المستوردة تتمتع بجودة جيدة ومواصفات مقبولة، رغم أن الإقبال الأكبر يبقى على لحم الغنم العواس الذي يحظى بطلب مرتفع محلياً وعالمياً، وتصل أسعاره في بعض الأحيان إلى ثلاثة أضعاف أسعار أنواع اللحوم الأخرى.
وأضاف أن تطبيق سياسة متوازنة بين التصدير والاستيراد من شأنه أن يضمن توافر كميات كافية من اللحوم في الأسواق المحلية بأسعار أكثر استقراراً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الثروة الحيوانية الوطنية، مؤكداً أن زيادة المعروض في الأسواق ستسهم في تخفيض الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية للمستهلكين، بما ينعكس إيجاباً على حركة السوق والقطاع الإنتاجي بشكل عام.
يتقاطع رأي المختصين في قطاع الأسعار والثروة الحيوانية عند مجموعة من التوجهات التي تدعو إلى مراجعة سياسات التصدير وربطها بحجم القطيع الوطني الفعلي، إلى جانب تطوير قواعد البيانات والإحصاءات، وتشديد الرقابة على التهريب، ودعم المربين الفعليين، ووضع آليات تضمن توافر اللحوم في الأسواق المحلية بأسعار يمكن تحملها.
ومع استمرار الارتفاعات السعرية، يبرز تساؤل مفتوح حول قدرة السياسات المعتمدة على تحقيق توازن يجمع بين مصالح المربين والمصدرين من جهة، وتلبية احتياجات المستهلكين من جهة أخرى، بما يحافظ على حضور اللحوم الحمراء على موائد الأسر السورية بصورة مستقرة ومستدامة.
الثورة السورية – رولا عيسى
