ويأتي هذا النقاش بعد احتجاج عمال شركة “زنوبيا” للسيراميك وغيرها بريف دمشق على تدني الأجور، ما أعاد ملف الرواتب إلى واجهة الاهتمام بين الحكومة والعمال والاقتصاديين، وسط دعوات لإعادة النظر في آليات تحديد الدخل بما ينسجم مع التضخم وارتفاع تكاليف الحياة.
ويقول العامل في الشركة حسام قضماني، رب أسرة من خمسة أفراد، لصحيفة “الثورة السورية” إن راتبه البالغ نحو 1.2 مليون ليرة قديمة شهرياً (12 ألف ليرة جديدة) لا يغطي احتياجاته لأكثر من أسبوع واحد فقط. ويوضح أن كامل الراتب يذهب سريعاً إلى تسديد جزء من الديون والفواتير والخبز والمواصلات، مع استبعاد اللحوم من سلة الإنفاق اليومية، قبل أن يضطر إلى الاستدانة مجدداً مع بداية اليوم العاشر من كل شهر.
ويشير قضماني إلى أن ما يجري اليوم يمثل سابقة بالنسبة لهم كعمال، لافتاً إلى أنهم سبق أن تقدموا بمطالب لتحسين أوضاعهم وتوفير تأمين صحي، وقد جرى التوافق مبدئياً مع إدارة الشركة على زيادة قدرها مليون ليرة على الراتب، إلا أن العمال طلبوا تثبيت ذلك بقرار رسمي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، ما أبقى الملف عالقاً بانتظار التنفيذ.
بالمقابل، أكدت الشركة في بيان، أنها ملتزمة بأداء حقوق العمال وفق القوانين والأنظمة النافذة، لا سيما قانون العمل رقم “17” لعام 2010.
وقالت الشركة إن عدد العاملين في معملي الشركة في عدرا والكسوة يبلغ نحو أربعة آلاف عامل، جميعهم مسجلون في التأمينات الاجتماعية ويتقاضون رواتبهم بانتظام، مشيرة إلى أنها واصلت صرف الأجور خلال فترات التوقف عن العمل التي شهدتها الشركة خلال السنوات الماضية.
وأضافت الشركة أنها طبقت الزيادات المقررة على الحد الأدنى للأجور وفق المراسيم الرئاسية، موضحة أنها رفعت الحد الأدنى للأجور إلى 1,256,000 ليرة قديمة (12,560 ليرة جديدة) بموجب المرسوم رقم “67” لعام 2026، إضافة إلى صرف تعويضات غلاء معيشة تختلف بحسب سنوات الخدمة والفئة الوظيفية.
وأوضحت أنها تمنح العاملين لديها حوافز إنتاجية وبدلات مسؤولية وزيادات دورية بنسبة 9 بالمئة كل سنتين، إضافة إلى خدمات النقل والتأمينات الاجتماعية والتغطية الطبية والإجازات المنصوص عليها في قانون العمل.
من جهتها، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أنها تابعت، في إطار اهتمامها المستمر بقضايا العمل والعمال، الإضراب الذي شهدته الشركة، وبادرت فوراً إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الموضوع والوقوف على أسبابه وملابساته.
وأشار مدير مديرية تفتيش العمل في الوزارة حمد بركل، إلى تنفيذ جولة تفتيشية شاملة على الشركة بمشاركة ممثلي أطراف الإنتاج الثلاثة، ضمت مفتشي العمل في الوزارة ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بريف دمشق، وممثلي المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وغرفة صناعة دمشق وريفها، وممثلي العمال والاتحاد العام لنقابات العمال، وبحضور الجهات المعنية في المنطقة.
وأضاف أن الجولة تضمنت الاستماع إلى مطالب العمال وملاحظاتهم المتعلقة بظروف العمل والحقوق العمالية ومستوى الأجور، إلى جانب الاستماع إلى إدارة الشركة، وإجراء حوار مباشر بين جميع الأطراف بهدف تقريب وجهات النظر ومعالجة أسباب الخلاف وفق أحكام قانون العمل رقم /17/ لعام 2010.
وأكد بركل حرص الوزارة على صون الحقوق العمالية وضمان تطبيق التشريعات الناظمة لعلاقات العمل، مع الحفاظ على استمرارية العملية الإنتاجية وحماية المنشآت الوطنية، مشيراً إلى أن الحوار والتفاهم بين العمال وأصحاب العمل يشكلان الأساس الأمثل لمعالجة القضايا العمالية.
وشدد على أن الوزارة تواصل متابعة هذا الملف بشكل مباشر، وتقديم كل ما يلزم من دعم وجهود للوصول إلى حلول توافقية تحقق العدالة للعمال وتحافظ على استقرار بيئة العمل والإنتاج، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الشراكة بين مختلف أطراف العملية الإنتاجية.
وكانت الحكومة السورية قد رفعت في عام 2025 رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة والمتقاعدين بنسبة 200 بالمئة، ثم صدر مرسوم آخر في 2026 بزيادة أجور العاملين بنسبة 50 بالمئة، في حين نص المرسوم 68 على زيادات نوعية للعاملين في عدد من الوزارات والمؤسسات العامة.
كما شهد الحد الأدنى للأجور تحولات في سوريا بعد التحرير، إذ ارتفع من نحو 279,000 ليرة قديمة (2,790 ليرة جديدة) إلى 750,000 ليرة قديمة (7,500 ليرة جديدة)، ثم إلى 1,256,000 ليرة قديمة (12,560 ليرة جديدة) بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026، أي بزيادة تقارب 350 بالمئة.
الأجور وتكلفة المعيشة
أكد وزير المالية محمد يسر برنية، في تصريح سابق، أن سياسة الأجور في عام 2027 ستعتمد على ربط الزيادات بمؤشرات غلاء المعيشة ومعدلات التضخم وتغير مؤشر أسعار المستهلك، ضمن توجه حكومي يضع تحسين المستوى المعيشي في صدارة الأولويات.
وأوضح برنية أن منظومة الرواتب ستتضمن زيادتين سنويتين، الأولى عامة مرتبطة بتكلفة المعيشة، والثانية تعتمد على تقييم أداء الموظف ضمن نظام جديد يجري العمل عليه في وزارة التنمية الإدارية.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر، أن الرواتب والأجور غالباً ما تكون أدنى بكثير من تكلفة الحد الأدنى للمعيشة، إذ تحتاج الأسرة السورية حالياً إلى نحو ستة ملايين ليرة سورية شهرياً، في حين لا تغطي الرواتب المتوسطة سوى نحو 30 بالمئة من هذه الكلفة.
ويشير إلى أن غياب الدراسات الكافية التي تربط بين الأجور وتكلفة المعيشة، إضافة إلى عدم ربط الزيادات بمعدلات التضخم، جعل من الإضراب الوسيلة شبه الوحيدة لدى العمال للتعبير عن هذا الخلل المزمن.
ويضيف اسمندر لصحيفة “الثورة السورية” أن الإضراب يحمل دلالة أعمق، مفادها أن زيادة الرواتب لم تعد كافية في ظل التضخم المرتفع والاختلالات البنيوية في الاقتصاد.
كما يلفت إلى أن سرعة تآكل أثر الزيادات في الرواتب تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسة، أولها التأخير في تنفيذ الزيادات، وثانيها تسارع التضخم الذي تجاوز 3.5 بالمئة شهرياً تراكمياً في عام 2026 (أي ما يزيد على 30 بالمئة سنوياً)، وثالثها ضعف القاعدة التي تُبنى عليها تلك الزيادات.
ويؤكد أن حتى زيادات تصل إلى 50 بالمئة تبقى غير كافية لسد الفجوة الكبيرة بين مستوى الأجور وتكاليف المعيشة.
ارتفاع الأسعار وتراجع الليرة
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، أن الزيادات التي تُمنح على الرواتب لا تحمل قيمة حقيقية ولا تتناسب مع الارتفاعات المتسارعة في الأسعار، لا سيما على المواد الغذائية والتموينية والمحروقات والخبز.
ويقول الدبس لصحيفة “الثورة السورية” إن رفع الرواتب بنسب تتراوح بين 20 بالمئة و40 بالمئة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات والسلع بنسب تتراوح بين 20 بالمئة و50 بالمئة، لا ينعكس بأي تحسن فعلي على قدرة الموظف الشرائية.
ويتابع أن الأشهر الستة الماضية شهدت تراجعاً في قيمة الليرة السورية بما بين 10 بالمئة و20 بالمئة، الأمر الذي انعكس تلقائياً على ارتفاع أسعار المواد المستوردة.
كما يشير إلى أن زيادة أسعار المشتقات النفطية أثرت بشكل مباشر على مختلف القطاعات، من النقل والمواصلات إلى الإنتاج، ما أدى إلى ارتفاع شامل في تكاليف المعيشة اليومية.
ويؤكد الدبس أن تحقيق أثر ملموس في الدخل يتطلب زيادات تتجاوز 100 بالمئة حتى يشعر المواطن بتحسن فعلي في مستوى معيشته.
تجارب وآليات
فيما يتعلق بآليات تحديد الأجور، يشير الدبس إلى ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، من خلال إنشاء مجالس وطنية للأجور تتولى مهمة تحديد الحد الأدنى للأجور ومراجعته بشكل دوري.
ويضيف أن هذا النموذج يتطلب وجود نقابات عمالية قوية ومستقلة، إلى جانب مجلس وطني للأجور يضم الوزارات المعنية، بحيث يؤدي دور الوسيط المحايد بين العمال وأصحاب العمل.
من جهته، يؤكد اسمندر أن إنشاء كيان أو مجلس مختص بتحديد الأجور ومتابعتها يُعد فكرة مهمة أثبتت نجاحها في دول مثل ألمانيا، إلا أن تطبيقها يتطلب توفر شروط أساسية، أبرزها الاستقرار الاقتصادي وانخفاض معدلات التضخم، ووجود نقابات عمالية فاعلة، إضافة إلى قبول الحكومة إشراك هذا المجلس في صياغة سياسات الأجور.
الثورة السورية – مجد عبيسي
