ويكتسب الحضور الألماني زخماً إضافياً مع توجه وفد اقتصادي ألماني رفيع المستوى إلى سوريا بعد أسبوع من افتتاح المعرض.
13 شركة.. مجالات تعاون متعددة
وتشارك 13 شركة ألمانية ضمن الجناح الألماني المشترك، مقدمة مجموعة واسعة من الخدمات والمنتجات تشمل الاستشارات والإدارة والهندسة والخدمات اللوجستية والتوظيف والكابلات والألياف الضوئية والتكنولوجيا الطبية، إضافة إلى البنية التحتية للطاقة والمياه وتحليل المخاطر والأزمات.
وبحسب وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية، يعكس هذا التنوع اتساع مجالات التعاون التي تتيحها المشاركة في معرض دمشق الدولي، الذي يوفر للشركات فرصة للتواصل المباشر مع الجهات الحكومية وقطاع الأعمال والسوق المحلية.
وأوضح المتحدث باسم الوزارة تيم نيكلاس فينتسل، لوكالة «سانا» أن المشاركة تعكس اهتمام قطاع الأعمال الألماني بالسوق السورية، مشيراً إلى أن ألمانيا تنظر إلى معرض دمشق الدولي باعتباره من أهم المعارض في المنطقة، وأن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تمتلك إمكانات كبيرة للتطور خلال السنوات المقبلة.
وبيّن فينتسل أن المعارض تشكل منصات مهمة لتبادل المعلومات وبناء العلاقات وإقامة أوجه التعاون، لافتاً إلى أن معرض دمشق الدولي يجمع الجهات الفاعلة من قطاعي الأعمال والسياسة، ويوفر فرصة للقاء رجال الأعمال الألمان والسوريين، بما يمهد لعلاقات اقتصادية وسياسية وثقافية أوسع واستكشاف فرص التعاون.
وتعزز طبيعة المعرض هذه الفرص، مع تخصيص أيامه الأولى للوفود الرسمية والمستثمرين وقطاع الأعمال، إلى جانب عقد لقاءات أعمال بين الشركات والجهات الحكومية.
وتتجه المشاركة الألمانية إلى تجاوز إطار العرض والتعريف بالمنتجات، مع إعلان وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية توجه وفد اقتصادي رفيع المستوى إلى سوريا برئاسة وكيل وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية نيلس آنن، بعد أسبوع من افتتاح المعرض.
ومن شأن هذه الزيارة متابعة اللقاءات والفرص التي تطرحها المشاركة في المعرض، والبحث في شراكات أكثر تحديداً بين الشركات والمؤسسات في البلدين.
عودة بعد 18 عاماً
تبرز شركة “BAE” الألمانية المتخصصة في تصنيع بطاريات الرصاص الحمضية المستخدمة في أنظمة تخزين الطاقة الاحتياطية، نموذجاً على عودة الشركات الألمانية إلى السوق السورية، إذ تستأنف نشاطها في سوريا بعد غياب دام 18 عاماً، من بوابة معرض دمشق الدولي، في ظل ما تراه من فرص مرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة جان آيسبيرت لـ«سانا» إن سوريا تمثل حالياً الدولة التي تحظى بأكبر قدر من اهتمام الشركة في المنطقة، موضحاً أنها كانت ناشطة فيها حتى عام 2008، وتتطلع اليوم إلى استئناف حضورها، ولا سيما مع وضع الحكومة الألمانية سوريا ضمن الدول ذات الأولوية.
وأشار إلى أن افتتاح مكاتب الوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ» وبنك التنمية الألماني «KfW» في دمشق يتيح للشركات الحصول على دعم محلي من الحكومة الألمانية لتطوير السوق السورية.
ويرى آيسبيرت أن معرض دمشق الدولي يمثل فرصة لاتخاذ خطوة جديدة نحو العودة إلى سوريا، في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، مبيناً أن منتجات الشركة يمكن أن تسهم في هذا المجال، وخاصة حلول تخزين الطاقة والبطاريات المستخدمة لتأمين التغذية الاحتياطية للمنشآت الحيوية، إلى جانب حلول الطاقة الشمسية للمنازل.
من جهته، أوضح المدير الإقليمي للشرق الأوسط وأفريقيا في الشركة حسين علي، أن المشاركة تهدف إلى إعادة التواصل المباشر مع الحكومة السورية والشركات المحلية وبناء علاقات تجارية جديدة، معتبراً أن السوق السورية واعدة بالنظر إلى احتياجات الدول الخارجة من الحرب لإعادة بناء بنيتها التحتية.
وبيّن علي أن نحو 90 بالمئة من أعمال الشركة يرتبط بالبنية التحتية للطاقة وحلول التخزين الاحتياطي، موضحاً تطلعها إلى استئناف توريد بطارياتها إلى السوق السورية، التي وصفها بالواعدة، ولا سيما أن الطلب عليها كان كبيراً قبل توقف نشاط الشركة.
ولفت إلى أن بطاريات الشركة تتمتع بعمر تشغيلي يصل إلى 15 و20 عاماً، مستنداً إلى خبرة تمتد لنحو 130 عاماً في تصنيعها، ما يجعلها مناسبة لاحتياجات البنية التحتية التي يجري العمل على إعادة تأهيلها.
من التقارب السياسي إلى الشراكة الاقتصادية
تأتي المشاركة الألمانية في المعرض في سياق مسار متسارع للعلاقات السورية الألمانية منذ الثامن من كانون الأول 2024، انتقلت خلاله العلاقات من إعادة التواصل الدبلوماسي إلى تفاهمات واتفاقيات في مجالات الطاقة والنقل الجوي والاستثمار، وصولاً إلى تشكيل اللجنة السورية الألمانية المشتركة.
وشكلت زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى برلين في آذار الماضي محطة بارزة في هذا المسار، حيث التقى ممثلين عن كبرى الشركات الألمانية، وأعقبت الزيارة تفاهمات في مجالي الطاقة والنقل الجوي، بما أسهم في تسهيل حركة رجال الأعمال وتعزيز فرص الاستثمار والتبادل الاقتصادي.
وفي 16 تموز الماضي، وقعت سوريا وألمانيا إعلان تشكيل اللجنة السورية الألمانية المشتركة، بهدف تأطير التعاون المستدام بين البلدين ومتابعة تنفيذ التفاهمات الثنائية في مجالات عدة، أبرزها التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والنقل والطيران المدني، إضافة إلى العدالة الانتقالية والمفقودين وملف اللاجئين.
ويمنح الحضور الألماني في معرض دمشق الدولي هذا المسار بعداً اقتصادياً أكثر مباشرة، عبر انتقال التقارب السياسي والمؤسساتي إلى السوق، واختبار قدرة الشركات على تحويل العلاقات المتنامية بين البلدين إلى مشاريع واستثمارات وشراكات فعلية.
ولا تقتصر فرص التعاون على رأس المال والتكنولوجيا، إذ تبرز الكفاءات السورية التي عاشت وعملت في ألمانيا كعامل إضافي لربط السوقين.
وقال مؤسس ومدير شركة «DastN» الألمانية آدم سليمان لـ«سانا» إن شركته تعمل على بناء جسور بين السوقين السوري والألماني، من خلال ربط الشركات الألمانية بالكفاءات والمهنيين والشركات والمؤسسات السورية، ومساعدة الجانب السوري على الوصول إلى الفرص والخبرات المتاحة في ألمانيا.
وأوضح أن المشاركة في المعرض تهدف إلى لقاء الشركاء والعملاء السابقين والمؤسسات التدريبية والتعليمية والجهات الحكومية والاقتصادية، والتعرف بصورة مباشرة إلى الاحتياجات الحالية واستكشاف فرص الشراكة والتعاون المهني.
ثقة تبحث عن ترجمة اقتصادية
وتربط وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية الألمانية تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين بوجود أطر سياسية واقتصادية مستقرة تعزز الثقة وتوفر مناخاً جاذباً للاستثمار.
وقال المتحدث باسم الوزارة تيم نيكلاس فينتسل إن العلاقات الاقتصادية السورية الألمانية، وإن توقفت خلال سنوات الحرب، تمتلك تاريخاً طويلاً، مشيراً إلى أن الروابط الشخصية والعائلية، ولا سيما مع وجود أكثر من مليون سوري في ألمانيا، تشكل رصيداً يمكن البناء عليه اقتصادياً.
وأضاف أن الحكومة الألمانية ترى فرصاً كبيرة لتطوير التعاون خلال السنوات المقبلة، مؤكداً أن استقرار الأطر السياسية والاقتصادية يمثل عاملاً حاسماً لتعزيز الثقة والاستثمار، وأن سوريا «تسير في مسار جيد في هذا الصدد».
وبين عودة الشركات الألمانية إلى معرض دمشق الدولي، والتحرك الحكومي والاقتصادي المتزايد بين البلدين، تبدو المشاركة الألمانية خطوة باتجاه تحويل التقارب السياسي والمؤسساتي إلى تعاون اقتصادي مباشر، وشراكات واستثمارات ترتبط باحتياجات إعادة الإعمار في سوريا.
