نافذة استراتيجية وأداة متميزة لفتح الآفاق الاقتصادية….معرض دمشق الدولي بنسخته 63

خاص – «المال»

الدورة الثالثة والستون من معرض دمشق الدولي، التي تُقام بين ٢٦ آب و٤ أيلول ٢٠٢٦، برعاية السيد الرئيس أحمد الشرع، وتنظمها وزارة الاقتصاد والصناعة بالتعاون مع المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية وإدارة معرض دمشق الدولي، تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، تعكس توجهاً اقتصادياً يركز على توسيع فرص الاستثمار وتعزيز الشراكات التجارية، في إطار رؤية تستهدف دعم التنمية وتحفيز النشاط الاقتصادي.

تشهد الدورة الحالية مشاركة أكثر من 800 شركة محلية وعربية وأجنبية، تمثل قطاعات البناء، والأغذية، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، إلى جانب حضور ممثلين وسفراء عن 44 دولة عربية وأجنبية وإقليمية، ضمن خطوة تستهدف توسيع التعاون الاقتصادي واستكشاف فرص الشراكة والاستثمار.

ووفق التصريحات الرسمية، تحمل الدورة الثالثة والستون عدداً من التغييرات التنظيمية مقارنة بالدورة الثانية والستين التي أقيمت العام الماضي تحت شعار «سوريا تستقبل العالم»، إذ خُصصت الأيام الثلاثة الأولى من المعرض هذا العام حصراً لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية، بهدف تعزيز اللقاءات الثنائية، وبناء الشراكات، وتوقيع الاتفاقيات، بما يرسخ الهوية الاقتصادية للمعرض، بعدما كانت أبوابه مفتوحة أمام الجمهور منذ اليوم الأول في الدورة السابقة.

كما تتضمن النسخة الحالية، بحسب البيانات الرسمية للمؤسسة العامة للمعارض، هوية بصرية جديدة مستوحاة من ألوان الشمس، بالتزامن مع إنجاز أعمال تأهيل وتحسين وتوسعة شملت مختلف مرافق مدينة المعارض وخدماتها وبنيتها التحتية، استكمالاً لمسار إعادة التأهيل الذي بدأ في الدورة الماضية عقب الأضرار التي لحقت بمدينة المعارض خلال السنوات السابقة.

وفي إطار تعزيز البعد الاقتصادي للمعرض، أعلن وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار إطلاق «منتدى دمشق الاقتصادي العالمي» ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين، ليكون منصة تجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والشركاء الدوليين للحوار حول الفرص الاستثمارية، ودعم الصناعة والتجارة والصادرات، وبناء الثقة بالاقتصاد السوري

وأكد الشعار أن سوريا تقف اليوم أمام مرحلة اقتصادية جديدة تتسم بتحديات كبيرة وفرص أكبر، مشيراً إلى أن النهوض الاقتصادي يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، كما أوضح أن تخصيص الأيام الثلاثة الأولى لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية يأتي تأكيداً لهوية المعرض الاقتصادية وتعزيزاً لفرص الشراكات الاستثمارية.

وأضاف بالقول: «رسالتنا إلى رجال الأعمال والمستثمرين واضحة، سوريا اليوم أرض فرص، وأبوابها مفتوحة أمام كل شريك جاد يسهم في بناء اقتصاد منتج وتنافسي يحقق المنفعة المتبادلة»

من جانبه، أوضح المدير العام للمؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية، محمد حمزة أن الدورة الثالثة والستين تمثل خطوة جديدة نحو استعادة سوريا مكانتها الاقتصادية، وتعكس رسالة مفادها أن دمشق تتجه نحو العالم برؤية اقتصادية حديثة واقتصاد منفتح وفرص استثمارية حقيقية.

ولفت إلى أن النجاح الذي حققته الدورة الثانية والستون في استقطاب الدول والشركات والمستثمرين شكل قاعدة للانتقال إلى دورة أكثر نضجاً وتنظيماً وتأثيراً في الاقتصاد الوطني، إلى جانب تنظيم فعاليات نوعية ومفاجآت جديدة تعزز مكانة المعرض بوصفه منصة رئيسية للاستثمار والتعاون الاقتصادي.

وكانت الدورة الثانية والستون قد سجلت مؤشرات لافتة، باستقطاب أكثر من مليوني زائر، وإبرام اتفاقيات وعقود تجاوزت قيمتها 85 مليون دولار، بما يعادل نحو 935 مليار ليرة سورية، فيما تتجه الدورة الحالية إلى البناء على تلك النتائج، من خلال التركيز بصورة أكبر على بيئة استثمارية وتجارية متخصصة، مدعومة بتوسعة المرافق والتسهيلات التنظيمية واستحداث منتدى اقتصادي عالمي، في محاولة لمضاعفة الأثر الاقتصادي للمعرض.

 

من العرض التجاري إلى الشراكة الاقتصادية

في هذا السياق، وللإجابة على التساؤل البارز حول مدى قدرة معرض دمشق الدولي، بصيغته الجديدة، على تحويل هذا الحراك إلى نتائج اقتصادية واستثمارية مستدامة، أوضح الباحث في الشؤون الاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ«مجلة المال» أن الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي تأتي في سياق توجه حكومي واقتصادي واضح نحو تنشيط الاستثمار، وتحفيز الإنتاج المحلي، والتعاطي المرن مع متطلبات الانفتاح الاقتصادي، مشيراً إلى أن المعرض اليوم لا يُقرأ على أنه تظاهرة تجارية تقليدية أو حدث جماهيري شعبي، لأنه تحول في فلسفته الجديدة إلى أداة عملية تُمارَس من خلالها السياسات الاقتصادية.

وبرأيه، يسعى المعرض إلى استعادة دوره التاريخي كمنصة جامعة ومحرك أساسي لدورة الانتعاش الوطني، عبر تحفيز ودعم عدة مسارات يأتي في مقدمتها، الشراكة بين القطاعين العام والخاص

وبيّن كويفي أن التوجه العملي الجديد في هذه الدورة يتجلى من خلال تخصيص الأيام الثلاثة الأولى حصرياً للقاءات العمل الثنائية والمباشرة بين قطاعات الأعمال (B2B)، وبين المستثمرين والجهات الحكومية (B2G)، لافتاً إلى أن هذا الفصل اللوجستي بين النشاط التجاري الاستثماري والزيارات العامة يعكس رغبة جادة في صياغة بيئة حوار تفاوضية ترتكز على لغة الأرقام والجدوى الاقتصادية.

وأضاف أن النجاح هنا لا يتأتى تلقائياً، إنما يعتمد على قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذه اللقاءات المجدولة إلى التزامات تنموية حقيقية، بشرط اقترانها ببيئة تشريعية وتنفيذية داعمة، ومتابعة حثيثة من قيادات صانعة للقرار.

معرض دمشق الدولي 63 يعكس توجهاً اقتصادياً يركز على توسيع فرص الاستثمار وتعزيز الشراكات التجارية في إطار رؤية تستهدف دعم التنمية وتحفيز النشاط الاقتصادي

وفي السياق ذاته، نوه كويفي بأن إطلاق «منتدى دمشق الاقتصادي العالمي» يمثل خطوة حاسمة لمأسسة الحوار بين الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، إذ يضع المنتدى جميع الأطراف على طاولة نقاش واحدة لمراجعة السياسات وتفكيك العقبات البيروقراطية.

واستدرك موضحاً بالقول: «كي لا تقتصر المخرجات على بيانات النوايا أو مذكرات التفاهم الشرفية، فإن الأمر يتطلب توفير ضمانات قانونية صريحة، وقانون استثمار يتسم بالاستقرار والشفافية، وسرعة فائقة في منح التراخيص، مع تفعيل أجهزة التمويل والمصارف القادرة على مواكبة التعاملات الدولية».

وبالانتقال إلى المسار الثاني وهو التركيز القطاعي وفرص التعاقد، أوضح كويفي أن الخطة التنظيمية للأجنحة في هذه الدورة تركز على ثلاثة أركان قطاعية تشكل عصب مرحلة التعافي، مشيراً إلى أن الركن الأول يتمثل في التكنولوجيا والتحول الرقمي، بهدف توفير حلول الأتمتة، والخدمات المالية الحديثة، وتطوير البنية التحتية للبيانات

أما الركن الثاني، يقوم على الطاقة والطاقات المتجددة، باعتبارها الشرط الأساسي والمحرك الأول لأي مشروع صناعي أو زراعي أو خدمي، في حين يتمثل الركن الثالث في المنتج الصناعي والزراعي السوري، لإعادة بناء الثقة بالقدرة الإنتاجية المحلية، وتأهيلها للنفاذ نحو أسواق تصديرية جديدة.

ولفت كويفي إلى أن تحويل اللقاءات داخل هذه الأجنحة إلى عقود وشراكات استثمارية حقيقية يتطلب تحضيراً مسبقاً عالي المستوى، يشمل إعداد قوائم جاهزة بالمشاريع المطروحة، وتوفير بيانات قطاعية دقيقة، وحضور ممثلين مفوضين قانونياً بالتوقيع، منوهاً بأن ذلك يقتضي أيضاً إنشاء لجان متابعة مشتركة، ومنصات رقمية تضمن استمرار التواصل بعد انتهاء أيام المعرض.

ومن خلال حديثه عن البعد الدولي ومؤشرات النجاح، كمسار ثالث، فإن المشاركة العربية والدولية المرتقبة، ولا سيما من دول كالجزائر وتركيا، إلى جانب الاهتمام الخليجي والأوروبي والأمريكي المتزايد، تُعد مؤشراً إيجابياً على رغبة رأس المال الخارجي في استكشاف الفرص الواعدة داخل السوق السورية، إلا أنه أوضح أن هذا الاهتمام الأولي لا يتحول إلى تدفقات مالية استثمارية إلا عندما يلمس المستثمر أماناً قانونياً، واستقراراً في السياسات النقدية، ووجود شبكة مصارف قادرة على إجراء التحويلات السلسة.

ولفت كويفي إلى أن الرسالة الجوهرية للمستثمر الأجنبي تتمثل في أن سوريا تفتح أبوابها للشراكة التنموية بشفافية، وأن المعيار الحقيقي للمفاضلة هو مصداقية التنفيذ وتذليل العقبات اللوجستية، وليس مجرد الوعود الاحتفالية، مبيناً أن المؤشرات الحقيقية لنجاح الدورة تتجاوز الأرقام كعدد الزوار أو المشاركين، وأن الأثر الاقتصادي الفعلي يُقاس عبر أربعة معايير حاسمة، تتمثل في حجم العقود المبرمة التي تتحول إلى استثمارات تنفيذية خلال الأشهر التالية، وعدد المشاريع التي تبدأ مرحلة الإنشاء والعمل الفعلي على الأرض، بالإضافة إلى معدلات فرص العمل الجديدة المخلوقة في السوق المحلي، وكذلك، مؤشرات نمو الصادرات الوطنية المرتبطة بصفقات المعرض.

انعكاسات اقتصادية ومالية

رأى الباحث في الشؤون الاقتصادية المهندس باسل كويفي أن انعكاسات الدورة الثالثة والستين على الاستقرار والاقتصاد والقطاع المالي ستكون إيجابية وذات قيمة مضافة جيدة، لافتاً إلى أنها تأتي بعد النجاحات النسبية التي حققتها الدورة الثانية والستون، والتي سجلت 2.26 مليون زائر، و800 شركة، و935 مليار ليرة سورية في العقود.

وأضاف أنه من المتوقع أن تسهم الدورة الحالية في دعم القطاع المالي والاقتصادي من خلال تحريك السيولة المحلية وتنشيط الدورة الاقتصادية في قطاعات الفندقة والنقل والخدمات، ودعم القطاع المصرفي عبر تحفيز فتح الاعتمادات واستعادة الشراكات المالية، وأيضاً تعزيز الثقة العامة لدى الشارع والمستثمرين، مما يولد زخماً نفسياً ينعكس استقراراً في الأسواق على المدى المتوسط.

وفي ختام حديثه، أكد كويفي أن معرض دمشق الدولي يظل نافذة استراتيجية وأداة ممتازة لفتح الآفاق الاقتصادية، لكنه ليس غاية بحد ذاته، موضحاً أن نجاح هذه التظاهرة في تحقيق أهدافها التنموية يبقى مرهوناً بقدرة المؤسسات المعنية على تحويل الزخم الإعلامي والرمزي إلى واقع استثماري ملموس، يستند إلى إصلاحات هيكلية مستمرة، ومتابعة صارمة للاتفاقيات، بما يضمن تحقق منافع حقيقية ومستدامة للاقتصاد الوطني والمواطن على حد سواء.

 

شارك