تقلب سعر الصرف يفاقم الضغوط على الأسواق المحلية ويضعف القدرة الشرائية

تحديات متزايدة يفرضها تقلب سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، على الأسواق المحلية، في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع التكاليف المعيشية، الأمر الذي ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية للأسر، وبين تفاوت الأسعار من متجر إلى آخر، وتزايد تكاليف الاستيراد والإنتاج، تبرز الحاجة إلى إجراءات تسهم في الحد من تقلبات السوق وتعزيز استقرار الأسعار ودعم الإنتاج المحلي.

التفاوت يربك الأسواق

وبمتابعة مراسلة «الحرية» بدمشق لحركة الأسعار في عدد من أسواق دمشق، بينها سوق الحميدية وباب الجابية، أظهر تفاوتاً في أسعار السلعة الواحدة بين تاجر وآخر، وبين سوق وآخر، وفقاً لما أفاد به مواطنون، حيث أشاروا إلى أن تغيرات سعر الصرف باتت حاضرة في تبريرات عدد من التجار لرفع الأسعار، في وقت تتداخل فيه عوامل أخرى، تؤثر على حركة البيع والشراء، واستقرار الأسواق.
وأكد العديد منهم أن تراجع القدرة الشرائية يشكل أحد أبرز التحديات المعيشية، إذ لم تعد الرواتب والدخول، بحسب إفاداتهم، كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، ولا سيما مع ارتفاع أسعار مواد غذائية مثل الزيوت والأرز والسمن والبقوليات والحبوب والسكر وحتى الكونسروات، وبالتالي كل ذلك ينعكس على الإنفاق الأسري، إذ تضطر العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف الاحتياجات اليومية.

ارتفاع تكاليف الاستيراد ينعكس على أسعار السلع

من جانب آخر أشار عدد من تجار المفرق، بينهم إبراهيم الحمديدي ومحمد المصري، إلى أن الأسواق المحلية شهدت ارتفاعات متتالية في أسعار المواد الغذائية والكهربائيات والوقود والأدوية وغيرها، موضحين أن ارتفاع سعر صرف الدولار يزيد تكاليف الاستيراد وينعكس على أسعار السلع في أسواقنا المحلية…
وفي مواجهة هذه التحديات، تحاول بعض الشركات المحلية، وفق ما ورد في إفادات التجار، زيادة الإنتاج وتقليل الاعتماد على المواد المستوردة، في حين يواجه القطاع التجاري صعوبات لوجستية وتحديات تتعلق بتلبية الطلب والحد من ارتفاع الأسعار.
ولفت التجار إلى أهمية تحقيق التوازن بين تكاليف العمل واستمرار النشاط التجاري من جهة، والحد من انعكاس الزيادات السعرية على الأسر السورية من جهة أخرى.

دعوة لدعم الإنتاج المحلي

وضمن هذا السياق يوضح فيصل المنان عضو غرفة تجارة دمشق أن الارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار يضغط على أسعار السلع الأساسية، ويؤثر في التوازن بين العرض والطلب، ما يستدعي اتخاذ إجراءات تسهم في الحد من التقلبات السعرية ودعم القطاعات الإنتاجية المحلية.
مشيراً إلى أهمية الاعتماد على مصادر الطاقة المحلية، والعمل على تقليل الواردات ذات التكلفة المرتفعة، مبيناً أن الصناعات التي تعتمد على المواد الأولية المستوردة تواجه تحديات أكبر مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، ودعا إلى دراسة إجراءات داعمة للقطاع الصناعي، من بينها تخفيض الأعباء الضريبية، أو توفير قروض ميسرة، بما يساعد المنشآت الإنتاجية على مواصلة العمل وتخفيف أثر ارتفاع التكاليف على أسعار المنتجات المحلية والمواطن على السواء.

تعددت الأسباب والارتفاع واحد!

من جانبه الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف يوضح أن ارتفاع سعر صرف الدولار في أسواقنا المحلية، لا يرتبط بالعرض والطلب في السوق وحدهما، بل يتأثر بمجموعة من العوامل الاقتصادية، من بينها محدودية الاحتياطيات النقدية، والانكماش الاقتصادي، والضغوط التي تواجه الأسواق العالمية والتجار.
ويرى أن معالجة تقلبات سعر الصرف تتطلب إجراءات متكاملة تراعي طبيعة التحديات القائمة، وتجمع بين التدابير قصيرة الأجل والسياسات الاقتصادية طويلة الأمد، إلى جانب إجراءات عاجلة، تشمل أهمية تعزيز الرقابة على السوق الموازية، وتقديم دعم مؤقت للسلع الأساسية، والعمل على الحد من الفروقات السعرية بين المناطق، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين انضباط الأسواق، وضمان حرية عملها.
أما على المدى الطويل فأكد يوسف ضرورة تعزيز الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار في القطاعين الصناعي والزراعي، إلى جانب تنمية الصادرات بما يساعد على توفير موارد من القطع الأجنبي ودعم الاحتياطيات النقدية، وضمان استمراريتها.

التنسيق ضرورة لتعزيز الاستقرار

وشدد يوسف على أهمية تحقيق التوازن في السياسات النقدية بما يحد من تراجع القوة الشرائية لليرة السورية، مع مراعاة الأثر المعيشي للقرارات الاقتصادية وتجنب الإجراءات المفاجئة التي قد تزيد الأعباء على المواطنين، والأسواق على حد السواء، إلى جانب ضرورة تعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص، وإشراك الفعاليات الاقتصادية والمستثمرين المحليين في جهود معالجة التحديات التي تواجه الأسواق والإنتاج، لتخفيف الأعباء والتكاليف الباهظة.

وحسب الخبير يوسف فإن الاعتماد على الإجراءات الحكومية وحدها، لا يكفي لمعالجة الصعوبات الاقتصادية، ما لم يترافق مع دور فاعل للقطاع الخاص في دعم الإنتاج والاستثمار، وتحسين القدرة على تلبية احتياجات السوق المحلية.

الاستقرار يبدأ بمعالجة أسباب الارتفاع

في ظل تداخل عوامل سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والإنتاج، وضعف القدرة الشرائية، تبدو معالجة اضطرابات الأسواق السورية، مرتبطة بحزمة من الإجراءات المتكاملة، التي تجمع بين ضبط الأسواق، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار وتحسين كفاءة السياسات الاقتصادية…
وبالتالي يظل الحد من انعكاسات تقلبات سعر الصرف على أسعار السلع الأساسية، وتكاليف المعيشة تحدياً يتطلب تنسيقاً مستمراً بين الجهات المعنية والفعاليات التجارية والإنتاجية، بما يساعد على تخفيف الأعباء عن المواطنين وتعزيز استقرار الأسواق المحلية بصورة مستمرة.

الحرية– مركزان الخليل:
شارك