الأرقام الاقتصادية تتحدث بلغة الحرب.. هل تصبح ورقة تفاوض أم تمهّد لصراع جديد؟

الثورة السورية – هبا أحمد

إذا كانت الأنظار تتجه راهناً إلى الجبهات العسكرية- الميدانية- السياسية على خلفية الحرب الأمريكية والإسرائيلية- الإيرانية، فإن الجبهة الاقتصادية لا تقل أهمية.

ومع امتداد أمد الحرب من شأنها أن تحوّل الأنظار إلى الجبهة الاقتصادية، في ظل تصاعد الخسائر التي تصيب الاقتصاد العالمي ككل، وعلى نحو خاص في مجال الطاقة والعملات العالمية وسلاسل التوريد والمعادن.

وفي ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وامتداداتها الإقليمية، يبرز تساؤل عمّا إذا كانت لغة الأرقام قادرة على تغيير مسار الحرب وفرض نفسها طرفاً مفاوضاً للوصول إلى مسار يُفضي إلى حل عجزت عنه مسارات التفاوض السياسية والدبلوماسية، أم أنها ستتحول إلى أداة لصياغة صراع آخر بوجه اقتصادي بين القوى الدولية الكبرى، ليكون إلى جانب الصراع الراهن فرصة لإعادة تشكيل العالم سياسياً واقتصادياً في ظل التداخل المعقد بين الاقتصاد والسياسة والأزمات.

والشهر الماضي حذّر المنتدى الاقتصادي العالمي من أن الصراعات الاقتصادية بين القوى الكبرى تمثل الخطر الأكبر الذي يواجه العالم خلال العامين المقبلين، وفقاً لنتائج استطلاع شمل قادة أعمال وأكاديميين وشخصيات من المجتمع المدني.

وحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية، أظهر الاستطلاع الذي شارك فيه نحو 1300 خبير، أن “المواجهة الجيواقتصادية” تصدّر قائمة المخاطر العالمية الأكثر إلحاحاً، إذ أشار 18 بالمئة من المشاركين إلى أن التنافس الاقتصادي الحاد بين الدول الكبرى يُشكل التهديد الأبرز للاستقرار العالمي في الأجل القريب.

وجاء “النزاع المسلح بين الدول” في المرتبة الثانية بنسبة 14 بالمئة، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات الدولية، بينما احتلت الظواهر الجوية المتطرفة المرتبة الثالثة، بعد أن اعتبرها 8 بالمئة من المشاركين الخطر الأكثر إلحاحاً.

وبطبيعة الحال، فإن الخسائر المتوقعة في الاقتصاد العالمي ستُضاف إلى جملة من الخسائر التي سببتها العديد من الأزمات مثل الحرب الروسية الأوكرانية وجائحة “كورونا”، ما يعني أن الاقتصاد العالمي قد يدخل في مرحلة من الركود والتضخم بمستويات غير مسبوقة، فبعد انحسار جائحة كورونا بخمس سنوات بقيّ تأثيرها يُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي، فكيف الحال أمام حرب متشعبة ما قبلها ليس كما بعدها؟

وفي هذا الإطار، حذر نائب المدير العام لصندوق النقد الدولي، ديفيد كاتز، بأن التصعيد الإقليمي يحمل في طياته إمكانات “عالية التأثير” على مجموعة واسعة من مؤشرات الاقتصاد العالمي، على رأسها معدلات التضخم والنمو، مشيراً إلى أن حالة عدم اليقين التي تفرضها الحرب تضع السياسات النقدية أمام اختبارات صعبة.

وفي تصريحات أدلى بها على هامش مؤتمر “ميلكن”، أوضح كاتز أن الاقتصاد العالمي كان يسير على مسار نمو صحي قبل اندلاع هذه الأزمة، “إلا إن الوضع تغير بشكل جوهري”.

النفط

عطلت الحرب حركة الطيران وشلت محاور العبور ورفعت كلفة ومخاطر الشحن البحري، وزعزعت أسواق الطاقة، ورفعت علاوة المخاطر، في حين تتحرك حكومات المنطقة على خط موازٍ لطمأنة المستهلكين وضبط أسعار السلع الأساسية ومنع هلع الشراء.

في ظل ذلك تبرز أسواق النفط والطاقة عموماً كقناة أساسية، نظراً لإمكانية أن يؤدي التصعيد إلى تعطيل إمدادات الطاقة، في ظل الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، وتوقعات الدخول في مرحلة ركود تضخمي إذا استمرت الحرب لأكثر من ثلاثة أسابيع، وتراجعت إمدادات النفط بنسبة تصل إلى 25 بالمئة، ولن تسمح أسعار النفط المرتفعة باستمرار كثير من الصناعات، فضلاً عن انعكاس ذلك على البورصات والأسهم وتقلب الأسواق، وصولاً إلى أسعار الذهب والمعادن.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم ممرات النفط العالمية، حيث يعبر منه نحو 20 بالمئة من النفط العالمي، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة البحرية له تأثير مباشر على أسواق الطاقة وأسعار الخام.

وقال نيل شيرينغ، كبير الاقتصاديين في “كابيتال إيكونوميكس” لصيحفة “فاينانشال تايمز”: النفط هو القناة الحاسمة.
وتواصل أسعار النفط ارتفاعها بعد أن قفزت بنحو 12 بالمئة خلال يومين لتصل إلى أعلى مستوى منذ مطلع عام 2025، إذ سجلت العقود الآجلة لخام “برنت” الأربعاء نحو 85 دولاراً للبرميل.

وقال حاكم كاليفورنيا جافين نيوزوم: أسعار الطاقة ترتفع في جميع أنحاء العالم، أسعار النفط مرتفعة، وأسعار الغاز تزداد بسبب حرب “(الرئيس الأميركي دونالد) ترامب”.

وتوقع خبراء في مجال النفط أن يرتفع سعر البرميل إلى نحو 120 دولاراً إذا توقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز فترة طويلة، وأن يؤدي تعطل الشحن إلى خروج نحو 15 إلى 17 مليون برميل يومياً من السوق العالمية، فيما أضيف إلى الأسعار “هامش مخاطر جيوسياسية” كبير يعكس المخاوف من انقطاع الإمدادات الكلي.

وتعتبر الولايات المتحدة الآن مكتفية ذاتياً إلى حد كبير في مجال الطاقة، حيث تظهر أرقام إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن 17 بالمئة فقط من الطاقة التي استخدمها الأمريكيون في عام 2024 كانت مستوردة، وهي أدنى نسبة مسجلة منذ 40 عاماً، لكن هذا لا يعني أن انقطاع تدفقات النفط من الخليج لن يكون له تأثير يذكر على الاقتصاد الأميركي، نظراً لتأثيره على مؤشرات أسعار النفط.

فالارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية يمكن أن يلحق ضرراً بالمستهلكين والشركات في أميركا وسيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار البنزين، ما سيشكل ضغطاً واضحاً على المستهلكين الذين يشكو كثيرون منهم بالفعل من غلاء المعيشة قبيل انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في تشرين الثاني المقبل.

ويقول خبراء اقتصاديون في بنك “باركليز” إن من الآثار الجانبية الأخرى المحتملة ارتفاع قيمة الدولار، إذ تشير الأحداث في الشرق الأوسط إلى مخاطر متزايدة لنشوب صراع طويل الأمد وارتفاع أسعار النفط. تاريخياً، تدعم مثل هذه الصدمات الدولار الأميركي. ويتوقع البنك ارتفاع الدولار مقابل سلة من العملات العالمية “بنسبة تتراوح بين 0.5 و1 بالمئة لكل زيادة قدرها 10 بالمئة في أسعار النفط”.

كما تُعد الصين مستورداً رئيساً للنفط الخليجي، ما يعني أن اقتصادها سيتضرر بشدة من أي اضطراب كبير في حركة النقل.

الغاز

قفزت أسعار الغاز العالمية عقب تقارير عن توقف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال في أكبر منشأة من نوعها في العالم، ما آثار مخاوف بشأن الإمدادات ودفع الأسواق إلى التفاعل سريعاً مع التطورات، إذ تجاوز سعر الغاز في البورصة الأوروبية 700 دولار لكل ألف متر مكعب للمرة الأولى منذ شباط 2023، بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز، في حين تراجعت الأسهم الأوروبية.

وقفزت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 100 بالمئة خلال تعاملات الثلاثاء، مقارنة مع مستويات ما قبل الحرب.

كما ارتفعت أسعار استئجار ناقلات الغاز المسال إلى 200 ألف دولار يومياً، أي ما يقارب ضعف ما كان أصحاب السفن والوسطاء يتقاضونه قبل أقل من يوم.

ورفع محللو “غولدمان ساكس” توقعاتهم لأسعار الغاز الأوروبية في نيسان 2026 إلى 55 يورو لكل ميغاواط في الساعة، مقارنة بـ36 يورو سابقاً. ونظراً لأن معظم صادرات الغاز المسال القطرية تتجه إلى آسيا، يتوقع محللون، من بينهم سامانثا دارت، أن ترتفع الأسعار الفورية الآسيوية بوتيرة أسرع من الأوروبية.

وحذر محللون من أن خسارة أوروبا إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط تعني فقدان 120 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهي كمية تفوق ما خسرته أوروبا بعد وقف روسيا تصدير الغاز لها عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي لتقليل وارداته من الغاز الروسي، وهي جهود قد يعرقلها توقف إمدادات الغاز من الخليج.

وعلاوة على التأثير المباشر لارتفاع تكلفة الطاقة على أوروبا، يظهر تأثير غير مباشر على أسعار المستهلكين الأوروبيين نتيجة زيادة تكلفة شحن السلع الواردة من الدول الآسيوية، التي لها علاقات تجارية واسعة مع أوروبا مثل الصين والهند.

التضخم

حذر كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، من أن أي صراع طويل الأمد بمنطقة الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع ملموس في معدلات التضخم داخل منطقة اليورو، بالتزامن مع تراجع في وتيرة النمو الاقتصادي.

وأوضح لين، في مقابلة مع صحيفة “فاينانشال تايمز” أن اتجاهات أسعار الطاقة الحالية تضع ضغوطاً تصاعدية على التضخم في المدى القريب، مشيراً إلى أن كلاً من حدة هذا التأثير وتداعياته على المدى المتوسط، يعتمد بشكل مباشر على اتساع رقعة الصراع ومدته الزمنية.

وأظهرت البيانات النهائية الصادرة عن وكالة الإحصاء الأوروبية (يوروستات) تباطؤ التضخم في منطقة اليورو خلال كانون الثاني الماضي، نتيجة للانخفاض الحاد في أسعار الطاقة.

وتشير تحليلات أجراها البنك المركزي الأوروبي في كانون الأول الماضي، إلى أن قفزة دائمة في أسعار النفط بهذا الحجم، قد ترفع معدل التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية، وتخفض النمو الاقتصادي بنحو 0.1 نقطة مئوية. ومع ذلك، لا يزال التضخم في منطقة اليورو حالياً عند مستوى 1.7 بالمئة، وهو أقل من مستهدف البنك البالغ 2 بالمئة، مما يشير إلى أن أي قفزة طفيفة في أسعار الطاقة قد لا يؤدي بالضرورة إلى إجراءات نقدية فورية، لا سيما أن السياسة النقدية غالباً ما تعمل بفترات تأخير طويلة، كما أنها تُعدّ محدودة التأثير أمام التقلبات قصيرة الأجل في الأسعار.

وأكدت التقارير أن البنك المركزي الأوروبي يميل عادة إلى تجاهل التقلبات الناتجة عن أسعار الطاقة، ما دامت لا تؤثر على التوقعات طويلة الأجل، ولا تتسرب إلى التضخم الأساسي عبر ما يُعرف بالتأثيرات الثانوية. وحتى الآن، لم يطرأ تغير يذكر على توقعات التضخم طويلة الأجل المستندة إلى الأسواق، حيث لا تزال الأسواق تتوقع بقاء سعر فائدة الإيداع لدى البنك المركزي الأوروبي، عند مستواه الحالي البالغ 2 بالمئة طوال العام الحالي.

سلاسل التوريد

شهدت حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز توقفاً كاملاً بالاتجاهين، بعد انسحاب عدد من ناقلات النفط من المنطقة، وفق بيانات موقع تتبع السفن “مارين ترافيك”، في تطور يعكس تصاعد التوترات الأمنية في أحد أهم الممرات المائية في العالم.

ودفع إعلان إيران إغلاق الملاحة عبر المضيق، حكومات آسيوية ومصافي تكرير كبرى، بصفتها من أكبر مستوردي النفط، إلى مراجعة مستويات مخزوناتها تحسباً لاضطرابات محتملة في الإمدادات العالمية.

وشهد قطاع الشحن البحري اضطراباً، ما ضاعف الكلفة وزمن النقل، وتحول ميناء جبل علي في دبي إلى مؤشر حساس على هذا الأمر، إذ نقلت “رويترز” عن شركة موانئ دبي أن العمليات في الميناء استؤنفت بعد أن توقفت جراء الحرب، لكن هذا يعني خسارة متراكمة للمنطقة اللوجستية، فكل توقف مؤقت يترك وراءه ازدحاماً في المناولة، وتأخراً في تسليم الحاويات، وارتفاعاً في كلفة التخزين والمخزون للمستوردين والمصدرين.

وترفع مخاطر الحرب كلفة التأمين البحري، ووفق “رويترز”، ألغت شركات تأمين بحري رئيسية تغطيات “مخاطر الحرب” للسفن العاملة في المياه الإيرانية ومحيط الخليج، على أن تسري الإلغاءات ابتداء من اليوم، وهو ما يعني عملياً أن جزءاً من الأسطول التجاري سيواجه كلفة تأمين أعلى أو شروط تغطية أشد، مما يرفع تكلفة الرحلة الواحدة ويزيد نزعة إعادة توجيه المسارات أو تجنب نقاط التوتر. ومن شأن ارتفاع كلفة الشحن أن ترفع أسعار الاستيراد، وتضغط على القطاعات المعتمدة على التدفق السلس للسلع، من الصناعات إلى تجارة التجزئة.

وقال ⁠الرئيس ⁠التنفيذي لشركة نقل الحاويات “أوشن نتورك إكسبريس” جيريمي نيكسون إن ⁠سفن الحاويات تمثل حوالي 100 من أصل 750 سفينة عالقة ⁠بسبب الوضع في مضيق هرمز.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن ارتفاع ⁠تكلفة استئجار ناقلات عملاقة ⁠لشحن النفط من الشرق الأوسط إلى الصين إلى أعلى ‌مستوى على الإطلاق، إذ تجاوزت 400 ألف دولار يومياً، مع احتدام الحرب ⁠الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واستهداف القوات الإيرانية للسفن المارة عبر ⁠مضيق هرمز.

وأفادت البيانات ⁠بارتفاع سعر ⁠الشحن القياسي بناقلات النفط الخام الكبيرة جداً ‌عبر هذا الطريق إلى 423 ألفاً و736 دولاراً في اليوم.

وأشارت تقديرات خبراء أسواق المال إلى أن الزيادة المحتملة في أسعار النفط جراء إغلاق مضيق هرمز، وكذلك تعطل سلاسل الإمداد العالمية في حال تعطيل حركة التجارة عبر مضيق باب المندب وقناة السويس، كل ذلك قد يسفر عن زيادة في أسعار السلع وتكلفة الشحن وتأمين سلاسل الإمداد العالمية، ويترتب على ذلك آثار تضخمية وخيمة على الاقتصاد العالمي، حيث سيشهد خفضاً بنحو 0.4 بالمئة في الناتج الإجمالي العالمي (ما يعادل 469 مليار دولار سنوياً).

في حين أشارت تقديرات أكثر تشاؤمية إلى أن تراجع الناتج العالمي قد يسجّل 0.8 بالمئة (ما يعادل 937 مليار دولار).

الطيران

تلقى قطاع الطيران الموجة الأولى من التأثيرات الاقتصادية، ووفقاً لوكالة “رويترز”، استمر اضطراب الحركة الجوية العالمية مع إغلاق مطارات رئيسية، مما أدى إلى تقطع السبل بعشرات الآلاف وتعطيل آلاف الرحلات.

وأُلغيت أكثر من 5400 رحلة جوية يومي الأحد والإثنين في سبعة مطارات رئيسة بالخليج العربي، في ظل استمرار إغلاق وفرض قيود على عدد من المجالات الجوية لأسباب أمنية، وفق بيانات ملاحية صادرة عن منصة “فلايت رادار”.

وتزامنت هذه الإلغاءات مع صدور إشعارات ملاحية (NOTAM) في الأيام الماضية، أظهرت فرض قيود وإجراءات استثنائية على حركة الطيران في عدد من المجالات الجوية الخليجية، ضمن تدابير احترازية مرتبطة بالتطورات الأمنية في الإقليم. وشملت القيود تقليص الحركة في بعض المسارات، وإعادة توجيه رحلات إلى ممرات بديلة، فضلا عن تعليق مؤقت لعدد من الرحلات.

المعادن

سجل الذهب -وهو أحد الأصول التقليدية الآمنة- مستويات قياسية متتالية هذا العام بسبب تزايد حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي العالمي.

وعلى خلفية الحرب، صعد ‌الذهب بنحو 2 بالمئة، وزاد الذهب في المعاملات الفورية 1.72 بالمئة إلى 5368.09 دولارا للأوقية (الأونصة) في المعاملات، مسجلاً أعلى مستوى له في أكثر من أربعة أسابيع، قبل أن يقلص مكاسبه لاحقاً، في حين ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب 2.58 بالمئة إلى 5382.60 دولار، قبل أن تقلص مكاسبها وتتداول عند مستوى 5341.8 دولاراً.

وتراجع الذهب لاحقاً إذ يوازن المتعاملون بين تبعات تصاعد الحرب وارتفاع الدولار، لكنه حافظ على موطئ قدم فوق 5100 دولار، وعوض جزءاً من خسائره بدعم الطلب التحوطي رغم صعود الدولار وتراجع رهانات خفض الفائدة.

وقال بيتر كينسيلا، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية العالمية في “يونيون بانكير بريفيه” إن سوق الذهب تشهد حركة تقليدية لـ”تقليص المخاطر في المحافظ الاستثمارية”. وأضاف: “يتماشى ذلك تماماً مع ما شهدناه في صراعات سابقة”.

وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت ‌الفضة ‌في المعاملات الفورية بأول يوم تداول بعد الحرب بنسبة 1.68 بالمئة إلى 95.35 دولاراً للأوقية بعد تسجيل مكاسب شهرية في شباط الماضي، وزاد البلاتين 0.74 بالمئة إلى 2382.15 دولاراً، وصعد البلاديوم بنسبة 0.25 بالمئة إلى 1790.60 دولار.

التقاطعات

عند الاقتصاد تتقاطع الأزمات والصراعات، إذ يتقاطع ما ينتظره الاقتصاد العالمي اليوم مع ما شهده جائحة “كورونا” وبعدها، حيث قلبت الجائحة اقتصادات العالم بأسره رأساً على عقب، فعطلت سلاسل الإمداد وشبكات الإنتاج، وقيدت تدفق السلع والخدمات وحركة التجارة والمشاريع التجارية في المنطقة العربية وحركة رأس المال، مكلفة خسائر فادحة.

وأدى انحسار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى المنطقة العربية، والانخفاض الكبير في رأس المال السوقي لأسواق الأسهم العربية، إلى زيادة تلك الخسائر.

كما أدى الوباء إلى مستويات تضخم مرتفعة بلغت ذروتها في عام 2022، مدفوعة بزيادة الإنفاق بعد رفع الإغلاق، وحزم التحفيز الحكومية، ونقص العمالة والمواد الخام. كما فقد الملايين وظائفهم خلال الجائحة، حيث تضررت الأسر الفقيرة والنساء بشكل خاص، وفقًا للبنك الدولي.

وتكبد قطاع الطيران خسائر بلغت 175 مليار دولار في عام 2020، وفقاً للاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA). ومع حملات التطعيم ورفع قيود السفر، تعافى القطاع تدريجياً.

وتراجع الطلب على النفط ومشتقاته بسبب إجراءات الإغلاق في مختلف دول العالم إثر تفشي وباء كورونا واضطرار الناس للبقاء في منازلهم، وتوقف العمل في العديد من المصانع، واضطرت شركات النفط إلى استئجار ناقلات نفط ضخمة لتخزين الخام الفائض، ولذا أصبحت الشركات تدفع للمشترين لنقل الخام بعيداً عن منشآتها تفادياً لدفع أموال أكثر لتخزينه، بمعنى آخر شكلت كورونا صدمة لأسواق النفط، وتراجعت الأسعار بشكل كبير

من جهة أخرى، أحدثت الحرب الروسية- الأوكرانية صدمة مزدوجة للاقتصاد العالمي، تمثلت بارتفاع قياسي في أسعار الطاقة والغذاء، وتعطيل سلاسل الإمداد، ما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وتفاقم التضخم، كما أدت العقوبات على روسيا إلى تغييرات في النظام المالي والتجاري العالمي.

شارك