تُعدّ الكفاءات البشرية الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية فهي المحرك الحقيقي للإنتاج وتطوير المؤسسات، غير أن سوريا شهدت خلال السنوات الماضية موجة واسعة من هجرة العقول في مختلف الاختصاصات، الأمر الذي ترك آثاراً عميقة على قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والهندسة والإدارة، وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة باتت هذه الظاهرة أحد أبرز العوائق أمام تعافي الاقتصاد وإعادة بناء مؤسساته.
وفي هذا السياق يوضح الدكتور زكوان قريط من كلية الاقتصاد بجامعة دمشق لـ”الحرية” حجم التأثيرات التي خلّفها خروج الكفاءات السورية على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.
القطاعات الأكثر تأثراً
وأشار قريط إلى أن تأثير الهجرة طال معظم القطاعات في البلاد، إلا أن بعض المجالات تأثرت بصورة أكبر، أبرزها: القطاع الصحي فهو يعتبر أكثر القطاعات تضرراً إذ تشير التقديرات إلى هجرة نحو ثلث الأطباء وخُمس الصيادلة، هذا النزيف في الكوادر الطبية انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات الصحية حيث ارتفع متوسط عدد السكان لكل طبيب من 623 مواطناً عام 2010 إلى نحو 730 عام 2015، ما أدى إلى ضغط كبير على النظام الصحي وتراجع جودة الخدمات المقدمة.
خسارة الكوادر التدريسية
وبين د. قريط أن الجامعات والمؤسسات البحثية تعرضت لخسارة نسبة كبيرة من كوادرها التدريسية فقد بلغت نسبة تسرب الكادر التدريسي في جامعة دمشق نحو 43% حتى عام 2016، في حين وصلت في جامعة حلب إلى حوالي 45%، الأمر الذي أثر في مستوى العملية التعليمية والبنية البحثية، مشيراً كذلك إلى أعداد كبيرة من المهندسين والمتخصصين في مجالات نوعية مثل هندسة البرمجيات والذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى فجوة واضحة في الاختصاصات الدقيقة التي يحتاجها سوق العمل، بينما أدت الهجرة أيضاً في المؤسسات الإدارية والخدمية إلى نقص في الموارد البشرية داخل المؤسسات العامة والخاصة، ما انعكس على الأداء المؤسسي، حيث تراجع التخطيط الاستراتيجي لصالح الإجراءات الروتينية نتيجة غياب الخبرات المؤهلة.
النزيف التنموي
وأكد د. قريط أن هجرة الكفاءات تمثل ما يمكن وصفه بـ”النزيف التنموي” المستمر، وهو خسارة يصعب تعويضها في المدى القريب، لافتاً أنه لا توجد بيانات رسمية دقيقة توثق حجم الهجرة إلا أن تقديرات بعض الدراسات تشير إلى أرقام مقلقة إذ قُدّر عدد المهندسين المهاجرين بنحو 8,521 مهندساً، وأساتذة الجامعات بنحو 1,220 أستاذاً، بينما تجاوز عدد حاملي الإجازات الجامعية الذين غادروا البلاد 21 ألف شخص.
انعكاساتها على الاقتصاد
وحسب د. قريط هذه الهجرة تنعكس على الاقتصاد بعدة جوانب أهمها: خسارة رأس المال البشري حيث تفقد سوريا استثماراً كبيراً في تعليم وتأهيل هذه الكفاءات، إذ يحتاج إعداد كل كفاءة إلى نحو 20 عاماً من التعليم والتدريب، وبكلفة قد تصل إلى مليون دولار، في حين تستفيد الدول المضيفة من هذه الخبرات دون أن تتحمل كلفة إعدادها، إضافة إلى تراجع الإنتاجية حيث إن خروج الكفاءات المؤهلة من العملية الإنتاجية يقلل من فرص الابتكار ويرفع كلفة الإنتاج، ما ينعكس سلباً على الناتج المحلي، منوهاً كذلك بتدهور الخدمات الأساسية حيث يظهر ذلك بوضوح في القطاعين الصحي والتعليمي فقد أدى نقص الخبراء والمتخصصين إلى تراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
مؤشرات واضحة لحجم الهجرة
تشير تقديرات النقابات المهنية والدراسات الأكاديمية إلى مؤشرات واضحة حول حجم الظاهرة، من أبرزها: هجرة نحو 33% من الأطباء، و 20% من الصيادلة إضافة إلى مغادرة نحو 2,250 طبيب أسنان، هجرة 8,521 مهندساً، وأيضاً مغادرة 1,220 أستاذاً جامعياً، لافتاً كذلك أن بعض الدراسات تشير إلى أن نحو 40% من السوريين الذين استقروا في ألمانيا حتى عام 2017 هم من أصحاب المؤهلات العلمية العالية.
علاقة مباشرة
ويرى قريط أن العلاقة بين هجرة العقول وتراجع النمو الاقتصادي علاقة مباشرة، إذ تمثل الكفاءات البشرية أحد أهم محركات النمو في الاقتصاد الحديث ومع خروج هذه العقول تفقد البلاد القدرة على إنتاج المعرفة والابتكار، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة التكنولوجية مع الدول المتقدمة، لافتاً أن هذه الهجرة تضعف القدرة على تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، التي تتطلب خبرات علمية وفنية وإدارية متقدمة لا تتوافر بسهولة في ظل استمرار نزيف الكفاءات.
تأثير الهجرة على سوق العمل
وأوضح د. قريط أن تأثير هجرة الكفاءات على سوق العمل معقد ومتداخل فعلى المدى القصير قد يبدو أن الهجرة تخفف من المنافسة على فرص العمل بين الخريجين الجدد.
على المدى الطويل: التأثير سلبي لأن خروج رواد الأعمال والمديرين والكفاءات المؤهلة يقلل من فرص خلق وظائف جديدة ويحد من الاستثمارات والمشاريع.
أما بالنسبة للأجور حسب د. قريط فتظهر مفارقة واضحة إذ قد يرتفع أجر بعض الاختصاصات النادرة نتيجة نقص الخبرات، لكن الضعف العام للاقتصاد وتراجع قيمة الرواتب يعدان في الوقت ذاته من أهم أسباب استمرار الهجرة.
استراتيجية وطنية شاملة
وشدد قريط على أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تقوم على عدة محاور أبرزها: تحسين البيئة الاقتصادية والمعيشية عبر رفع الأجور وربطها بمعدلات التضخم، إضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والإنترنت، وأيضاً إيجاد بيئة عمل محفزة تقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص، مكافحة الفساد والبيروقراطية وتبسيط الإجراءات الإدارية، وكذلك دعم البحث العلمي وإعادة تأهيل الجامعات ومراكز الدراسات، منوهاً بأهمية تبني سياسات خاصة لجذب الكفاءات السورية في الخارج، من خلال إصدار قوانين استثمار جاذبة، وتوفير ضمانات قانونية للمستثمرين المغتربين، إضافة إلى إطلاق برامج لنقل المعرفة والاستفادة من الخبرات التي اكتسبها السوريون في الخارج.
وختم بالقول تمثل هجرة الكفاءات تمثل تحدياً استراتيجياً للاقتصاد السوري إذ لا تقتصر آثارها على خسارة الموارد البشرية فحسب، بل تمتد لتطول قدرة البلاد على التعافي والنمو وإعادة البناء، لذلك تبقى مواجهة هذه الظاهرة مرهونة بإصلاحات اقتصادية ومؤسسية عميقة تعيد الثقة وتوفر بيئة قادرة على استقطاب العقول بدلاً من خسارتها.
