تقلبات أسعار الذهب.. لماذا يختلف سعر القطعة نفسها بين محل وآخر؟

الثورة السورية – عمر حاج حسين

تشهد أسواق الذهب في البلاد خلال الفترة الأخيرة حالة من عدم الاستقرار في الأسعار، تترافق مع اختلافات واضحة في أجور صياغة المشغولات الذهبية بين محل وآخر، الأمر الذي أثار شكاوى لدى المواطنين وطرح تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت، ولا سيما مع التباين الملحوظ في أسعار المشغولات الجاهزة والليرات والأونصات، حيث تختلف التكلفة النهائية على المواطنين رغم وجود استقرار نسبي في أسعار الذهب.

ويعتمد عدد كبير من المواطنين في سوريا على الذهب كوسيلة لحفظ قيمة مدخراتهم، ما يجعل أي اختلافات كبيرة في الأسعار أو الأجور عاملاً مؤثراً في قدرتهم على الشراء، ويزيد الحاجة إلى تنظيم السوق ووضع آليات واضحة تحد من التفاوت في الأجور.

وفي إطار متابعة الجهات المعنية لواقع سوق الذهب خلال الفترة الأخيرة، أوضح مدير عام الهيئة العامة للمعادن الثمينة، مصعب الأسود، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن أسعار الذهب تشهد تقلبات مستمرة على المستوى العالمي تبعاً لتحركات سعر الأونصة في الأسواق الدولية، وهو ما ينعكس مباشرة على السوق المحلية التي تتأثر بالارتفاعات والانخفاضات ذاتها.

وبيّن الأسود أن تسعير الذهب في البلاد لا يتوقف عند السعر العالمي فقط، بل يتأثر أيضاً بتكاليف إدخال الذهب إلى السوق المحلية، ففي بعض الفترات تتطابق الأسعار المحلية مع نظيرتها العالمية، بينما ترتفع في أوقات أخرى بفارق يتراوح بين دولار وثلاثة دولارات للغرام الواحد، نتيجة الأوضاع الإقليمية والأعباء الإضافية على عمليات النقل والتوريد.

تفاوت أجور الصياغة وتطوير آليات التسعير

وأشار الأسود إلى أن اختلاف أجور تصنيع المشغولات الذهبية يُعد أمراً طبيعياً، نظراً لتنوع أكثر من مئتي صنف في السوق، ولكل صنف متطلبات تصنيع مختلفة؛ فالمشغولات الادخارية أو ذات الأوزان الكبيرة تكون كلفة تصنيعها منخفضة وأجورها محدودة، بينما التصاميم الحديثة التي تتطلب دقة فنية عالية وتقنيات متقدمة وألواناً متعددة تستدعي جهداً أكبر وارتفاعاً في أجور صياغتها، مؤكداً أن الاعتقاد بوجود أجور موحدة لجميع المشغولات غير دقيق، لأن الكلفة تختلف تبعاً لطبيعة الإنتاج.

وأضاف أن المشغولات الجاهزة، مثل الليرات الذهبية المحلية أو الأجنبية، إضافة إلى الأونصات المعروفة بالمصكوكات، تخضع أيضاً لأجور تصنيع، لكنها عادة أقل من تلك المفروضة على المشغولات المصممة.

وفيما يخص الجوانب التنظيمية والرقابية، أوضح الأسود أن الهيئة تعمل وفق قانون عقوبات قيد الإصدار، يتضمن بنوداً واضحة تحدد المخالفات والعقوبات المرتبطة بها، مؤكداً أن أي صائغ يخالف التسعيرة الرسمية، سواء بالبيع أو الشراء، يُعد مرتكباً لمخالفة تستوجب عقوبات متدرجة تتصاعد بحسب تكرارها.

وأكد أن الهيئة تتابع التغيرات العالمية بشكل مستمر، وتصدر نشرات سعرية عدة مرات يومياً، قد تصل إلى خمس تسعيرات، بما يضمن حماية حقوق المواطنين والصاغة على حد سواء، عند ارتفاع الأسعار أو انخفاضها.

ولفت الأسود إلى أن هذه الإجراءات أكثر مرونة من إجراءات النظام المخلوع، الذي كان يعتمد تسعيرة واحدة يومياً دون مواكبة مباشرة للتقلبات، مؤكداً في الوقت ذاته عدم السماح بامتناع الصاغة عن البيع أو مخالفة الأسعار الرسمية.

الأجور تختلف حسب القطعة وتصميمها

يقول الصائغ سامر بكور، من سوق الأتارب في ريف حلب الغربي، لصحيفة “الثورة السورية”، إن أجور تصنيع المشغولات الذهبية تختلف تبعاً لنوع القطعة؛ فمثلاً، قطعة بسيطة بوزن 5 غرامات، ومع افتراض أن سعر الغرام 130 دولاراً، تكون القيمة النهائية للقطعة نحو 650 دولاراً، في حين قد يتراوح أجر الصياغة بين 30 و65 دولاراً، بينما ترتفع أجور القطع المعقدة ذات التفاصيل الدقيقة لتتجاوز 100 دولار.

وأوضح أن الزبون يلاحظ فروقات في الأسعار بين المحلات، إلا أن ذلك يُعد أمراً طبيعياً، لأن تكلفة التصنيع تختلف بحسب حجم القطعة وتعقيد تصميمها والمواد المستخدمة فيها، مضيفاً: نحرص على الالتزام بالتسعيرة الرسمية الصادرة عن الهيئة، لكن التغيرات اليومية في أسعار الذهب وسعر الصرف قد تنعكس أحياناً على السعر النهائي للمستهلك.

وأشار بكور إلى أن شريحة واسعة من المواطنين تفضل شراء القطع الجاهزة، مثل الليرات والأونصات، لتفادي فروقات الأسعار الكبيرة، في حين يدرك المهتمون بالقطع الحديثة والفريدة أن ارتفاع السعر يعكس مستوى الدقة في العمل وجودة التصميم.

بدوره، قال الباحث الاقتصادي ومدير العلاقات العامة لنقابة الاقتصاديين السوريين، محمد رعدون، إن التباين الملحوظ في أجور صياغة المشغولات الذهبية بين محلات الصاغة يعود إلى اختلاف تكاليف التشغيل ومستوى الحرفية، إضافة إلى غياب مرجعية واضحة تحدد هذه الأجور، ما يفتح المجال لاجتهادات متفاوتة بين الصاغة.

وأضاف رعدون، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن تذبذب أسعار الذهب عالمياً ينعكس مباشرة على السوق المحلية نتيجة ارتباطه بسعر الصرف والأسواق الدولية، ما يخلق حالة من عدم اليقين تدفع بعض التجار إلى التريث أو رفع هوامش الأمان، في حين يتعامل المستهلكون بحذر بين خياري الشراء والبيع.

وأشار إلى أن ارتفاع أجور المشغولات الجاهزة، مثل الليرات والأونصات، يزيد الكلفة الفعلية للاقتناء فوق السعر الحقيقي للذهب، ويضعف جاذبيته كأداة ادخار، ما يؤدي إلى تردد بعض المواطنين في الإقبال على شرائه.

وشدد رعدون على أن غياب حدود استرشادية واضحة لأجور الصياغة يضعف مستوى الثقة في السوق، كما أن امتناع بعض الصاغة عن البيع عند ارتفاع الأسعار يؤدي إلى تراجع المعروض وحدوث خلل في توازن العرض والطلب.

واقترح الباحث الاقتصادي، للحد من الفوضى السعرية، اعتماد نشرات سعرية رسمية ومحدثة بشكل مستمر، تتضمن سعراً استرشادياً واضحاً، مع تحديد هوامش دقيقة لأجور الصياغة.

شارك