النحاس بين الاستثمار والصناعة.. لماذا لا يصلح ملاذاً آمناً؟

الثورة السورية – نور جوخدار

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية، يبحث المواطنون عن أدوات آمنة لحماية مدخراتهم، وغالباً ما تتجه الأنظار نحو العملات الأجنبية والمعادن الثمينة مثل الدولار والذهب. إلا أن الارتفاع الكبير في أسعار المعدن الأصفر والفضة قلّص القدرة الشرائية للكثيرين، ما دفع البعض إلى البحث عن بدائل غير تقليدية، مثل النحاس.

لكن هل يمكن أن يتحول النحاس إلى ملاذ مالي حقيقي؟ وهل يصلح للاستخدام كأداة ادخار فردية، أم أن قيمته الحقيقية تكمن في أبعاد أخرى مرتبطة بالصناعة؟

وفي هذا السياق، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، أن الترويج للنحاس ولمعادن صناعية أخرى يندرج ضمن موجة تسويق لا تستند إلى أسس اقتصادية صلبة، موضحاً أن هذه المعادن لا يمكن أن تؤدي دور الملاذ الآمن التقليدي كالذهب.

وأكد شعبو لصحيفة “الثورة السورية”، أن المعدن الذي يصلح كأداة ادخار يجب أن يتمتع بقبول عالمي كأصل نقدي، وله قابلية للتخزين طويلة دون تكلفة، وهي خصائص لا تتوافر في النحاس.

ارتباط بالنشاط الصناعي

مع إعادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التأكيد على تهديده بمهاجمة البنية التحتية المدنية في إيران في حال فشلت المفاوضات لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر، ومنح مهلة حتى مساء الثلاثاء، شهدت أسواق المعادن الصناعية اضطراباً نتيجة المخاوف من التضخم وتعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط واحتمال حدوث صدمة نفطية قد تؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي وتضعف الطلب الصناعي.

وفي هذا السياق، تراجعت أسعار النحاس والألمنيوم والزنك، بينما ارتفعت عقود النفط الآجلة، وكان هذا التراجع للنحاس أكبر انخفاض شهري يسجله منذ عام 2022.

وأوضح شعبو لصحيفة “الثورة السورية”، أن النحاس مرتبط أساساً بالدورات الاقتصادية والنشاط الصناعي، وأن هذا النوع من الاستثمار قد يكون مقبولاً على مستوى المؤسسات أو كبار التجار القادرين على التعامل مع كميات كبيرة، لكنه لا يناسب الأفراد، نظراً لأن سعر النحاس مرتبط بالصناعات، وليس كالذهب الذي يرتبط سعره بالأزمات.

وأشار إلى أن الذهب يُسعر بالغرام ويمكن بيعه بسهولة في أي وقت، بينما يُسعر النحاس بالطن، ما يعني أن الاستثمار فيه يحتاج إلى توفير مساحات تخزين آمنة ومبالغ كبيرة.

ومع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتطور التكنولوجي، ازداد الاهتمام بأسعار النحاس ودوره الاستراتيجي في الأسواق المالية، إذ يُعرف في الأوساط المالية بلقب “دكتور كوبر(نحاس)”، في إشارة إلى قدرته على عكس صحة الاقتصاد العالمي، ما جعل تداوله خياراً جذاباً للمستثمرين الباحثين عن تنويع محافظهم والاستفادة من تحركات الأسعار.

وشهد النحاس موجة ارتفاع كبيرة في أوائل العام الحالي وخلال عام 2025، حيث ارتفعت أسعاره بنحو 44 بالمئة، وتوقعت مؤسسة “ستاندرد آند بورز” العالمية مؤخراً أن يرتفع الطلب العالمي بنسبة تصل إلى 50 بالمئة بحلول عام 2040، ليبلغ نحو 42 مليون طن متري.

وتشير تقديرات أخرى إلى أنه في حال عدم اكتشاف مناجم جديدة أو تحقيق تطورات تكنولوجية، قد يبلغ إنتاج النحاس ذروته في عام 2030، مما يؤدي إلى نقص عالمي يقارب 10 ملايين طن متري بحلول عام 2040.

في المقابل، حذر محللون من تقلبات محتملة في الطلب، وأشار المحلل الأول في شركة “أواندا”، كلفن وونغ، إلى أن “المعادن الأساسية بما فيها النحاس أصبحت الآن معرضة لخطر تراجع الطلب إذا بدأ صناع السياسات النقدية العالمية في التراجع عن دورة التيسير النقدي”، مضيفاً أن أسعار النفط هي المحرك الرئيس للأسواق، وأن الاتجاه الصعودي للخام سيظل قائماً طالما لا يوجد وضوح بشأن التدفقات عبر مضيق هرمز.

وسجل النحاس تراجعاً بنسبة 1 بالمئة ليصل إلى نحو 12,315 دولاراً للطن في تداولات شنغهاي، بالتزامن مع تراجع الألمنيوم بنسبة 1 بالمئة إلى 3,497.50 دولار للطن.

مصادر النحاس

اعتبر نائب الرئيس الأول للشؤون الجيوسياسية والدولية في شركة “ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي”، كارلوس باسكوال، أن دولاً عدة صنفت النحاس كمعدن حيوي خلال السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك الولايات المتحدة في عام 2025، فالنحاس هو شريان الحياة الذي يربط بين الآلات المادية والذكاء الرقمي والتنقل والبنية التحتية والاتصالات وأنظمة الأمن.

وتنقسم مصادر النحاس عالمياً إلى ثلاثة مصادر رئيسة، منها المناجم التقليدية، والرواسب الجيولوجية، والمصادر الثانوية. ويُستخرج النحاس بشكل أساسي من المناجم المنتشرة حول العالم، سواء كانت مفتوحة أو تحت الأرض، وتتصدر دول مثل تشيلي وبيرو والولايات المتحدة وأستراليا وإندونيسيا وروسيا وزامبيا قائمة المنتجين عالمياً.

وتُعد تشيلي أكبر منتج للنحاس، حيث تسهم بأكثر من ربع الإنتاج العالمي، لكن بيانات حديثة أظهرت تسجيل تشيلي أدنى مستوى إنتاج شهري للنحاس منذ نحو تسع سنوات، حيث بلغ الإنتاج حوالي 378 ألف طن متري في شباط، بانخفاض 8.5 بالمئة مقارنة بشهر كانون الثاني، وبنسبة 4.8 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعكس تراجع جودة الخامات وضعف أداء المناجم الرئيسة.

ورغم عدم تسجيل اضطرابات كبيرة خلال الشهر الماضي، فإن الأمطار في شمال تشيلي وارتفاع أمواج البحر قد يعطلان الخدمات اللوجستية خلال أشهر الصيف، وهي الفترة التي تميل فيها بعض المناجم أيضاً إلى تنفيذ أعمال الصيانة.

كما تُعد الرواسب البورفيرية من أهم المصادر الجيولوجية للنحاس، إذ تحتوي على كميات كبيرة من المعدن إلى جانب عناصر أخرى مثل الذهب والفضة والموليبدينوم، ويجري استغلال هذه الرواسب باستخدام تقنيات تعدين متقدمة لتلبية الطلب العالمي المتزايد.

في المقابل، تكتسب إعادة تدوير النحاس أهمية متزايدة، حيث يتم استخراجه من الخردة المعدنية والكابلات القديمة والنفايات الإلكترونية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 30 بالمئة من النحاس المستخدم عالمياً يأتي من إعادة التدوير، ما يعزز استدامة هذا المعدن ويقلل من الأثر البيئي للتعدين. وفي الوقت ذاته، يواجه النحاس مخاطر بسبب طبيعته الفيزيائية، فهو معدن سريع التأكسد يفقد بريقه وقيمته التسويقية إذا لم يُخزن في ظروف مناسبة بيئياً.

ويمكن الاستثمار في النحاس بطرق عدة، أبرزها التداول في الأسواق الفورية، والعقود الآجلة، والعقود مقابل الفروقات، إضافة إلى الاستثمار غير المباشر عبر أسهم شركات التعدين أو صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بأسعار النحاس.

ترويج قائم على الاستغلال

رأى الخبير الاقتصادي شعبو أن النحاس سلعة ذات أصل اقتصادي ولا يُعد ملاذاً مالياً، مشيراً إلى أن الترويج له كبديل ادخاري أرخص من الذهب يأتي في ظل استغلال البعض جهل الأفراد بالمواضيع الاقتصادية وفكرة أنه لا توجد في سوريا أدوات استثمارية جديدة.

وأضاف أن شراء كميات صغيرة من الذهب، مثل ربع غرام أو نصف غرام، يبقى أكثر جدوى وأماناً من شراء كيلوغرامات من النحاس أو الفضة.

واعتبر شعبو أن الترويج لفكرة “اشتر اليوم واربح غداً” في المعادن غير الثمينة ليس دقيقاً، فقد يرتفع سعر النحاس ولا يوجد البديل أو يرتفع ولا يجد المدخر مشترياً بسهولة، كما أن تسعيره غير موحد وقد يختلف بين منطقة وأخرى.

كما لفت إلى تحديات تتعلق بالجودة والغش، فبينما توجد آليات واضحة لفحص نقاوة الذهب وتحديد عياره وتمتعه بسعر عالمي واضح يمكن متابعته بسهولة في المواقع العالمية، يفتقر سوق النحاس إلى جهات رقابية أو خبراء متخصصين يمكنهم التأكد من نقاوته، ما يزيد من مخاطر شراء نحاس مغشوش أو ممزوج بمعادن أخرى.

لذلك يرى أن الادخار بأصول ذات قيمة مثل الذهب أو العقار أو الأرض الزراعية الخيار الأفضل والأكثر أماناً للأفراد، وأن النحاس لا يصلح للادخار ولا يمكن اعتباره بديلاً للذهب.

شارك