في جولة لصحيفة “الثورة السورية” داخل أسواق “المواسم” بمنطقة الفحامة، إحدى أبرز وجهات التسوق في دمشق، بدت أسعار الألبسة والأحذية متباينة على نحو واسع، إلا أن معظمها كان خارج قدرة شرائح واسعة من المواطنين.
وتراوح سعر الحذاء الرجالي بين 750-6,500 ليرة جديدة (75-650 ألف ليرة قديمة)، بينما يتجاوز سعر البدلة الرجالية أو النسائية حاجز 15 ألف ليرة (1.5 مليون ليرة قديمة)، وتقترب كسوة الطفل من 10 آلاف ليرة (مليون ليرة قديمة)، بينما تتجاوز كسوة الرجل أو السيدة 150 دولاراً (20.7 ألف ليرة جديدة أو 2.07 مليون ليرة قديمة)، وقد تصل إلى 200 دولار (27.6 ألف ليرة جديدة أو 2.76 مليون ليرة قديمة) للأنواع الأعلى جودة.
وفي أسواق جرمانا وصحنايا، تُقدَّر تكلفة “كسوة العيد” بأكثر من 15 ألف ليرة جديدة (1.5 مليون ليرة قديمة) لكل فرد، بما يفوق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود.
كما لوحظ تفاوت واضح في الأسعار بين الألبسة المحلية والمستوردة، إضافة إلى اعتماد بعض المحال تسعيرات بالليرة القديمة والجديدة والدولار في آنٍ واحد.
وفي سوق الحمرا، بلغ سعر البلوزة النسائية المستوردة ضمن عروض التنزيلات نحو 1,200 ليرة جديدة (120 ألف ليرة قديمة)، وتراوح سعر البنطال القماشي بين 1,200 و1,500 ليرة (120-150 ألف ليرة قديمة)، بينما وصل سعر الطقم النسائي إلى 3,500 ليرة (350 ألف ليرة قديمة).
أما في سوق الشعلان المجاور، فسجلت الكنزة النسائية المستوردة نحو 3,000 ليرة جديدة (300 ألف ليرة قديمة)، فيما بلغ سعر بنطال الجينز التركي 4,500 ليرة جديدة (450 ألف ليرة قديمة)، مقابل 1,500 إلى 1,800 ليرة جديدة (150-180 ألف ليرة قديمة) للجينز المحلي.
كما تظهر ألبسة الأطفال تفاوتاً واضحاً أيضاً، إذ يصل سعر الفستان البناتي المستورد إلى 3,500 ليرة جديدة (350 ألف ليرة قديمة)، مقابل 1,400 إلى 2,500 ليرة (140-250 ألف ليرة قديمة) للمحلي.
وسعّرت بعض محال الأحذية بضائعها بالدولار، حيث يبلغ سعر الحذاء الرجالي 25 دولاراً (3,450 ليرة جديدة أو 345 ألف ليرة قديمة)، فيما يتراوح سعر الحذاء الصيفي النسائي بين 1,500 و2,700 ليرة جديدة (150-270 ألف ليرة قديمة)، في حين تتراوح أسعار أحذية الأطفال بين 1,500 و2,500 ليرة جديدة (150-250 ألف ليرة قديمة)، وذلك بحسب بلد المنشأ.
ويقول سامر أسعد، صاحب محل لبيع الألبسة النسائية في سوق الصالحية، إن العروض والتنزيلات تُعد محاولة لتعويض حالة الركود التي شهدتها أسواق الألبسة منذ عيد الفطر.
وأضاف أسعد لصحيفة “الثورة السورية” أن عمليات البيع لا تزال محدودة، رغم الحركة التي قد توحي بوجود إقبال كبير على التسوق، لا سيما قبل العيد بنحو عشرة أيام، مع استمرار العروض والتنزيلات التي تصل إلى 50 بالمئة، علماً أن معظمها لا تشمل البضائع الجديدة.
المنافسة والتنوع
ينفي نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، وجود ما يُسمّى “الجشع” في الأسواق، معتبراً أن السوق تعمل اليوم وفق مبدأ المنافسة والتنوع.
وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية”: “اليوم هناك براند (علامة تجارية) تبيع حقيبة بألفي دولار، وأخرى تبيعها بعشرة دولارات.. السوق مفتوحة، والمستهلك هو من يختار حسب قدراته ورغباته”.
وأوضح أن الفارق في الأسعار بين المحال الشعبية والمراكز التجارية يعود إلى أعباء تشغيلية إضافية وخدمات وسمعة تجارية، مؤكداً أن “السمعة التجارية هي الأساس”.
وشدد الحلاق على أن ثقافة الاستهلاك تشكل حلقة اقتصادية مترابطة، مضيفاً: “عندما نشتري أي قطعة، نُشغّل ورشة، والورشة تشغّل عاملاً، والعامل يعود لينفق ويؤسس أسرة”.
ويضيف أن المشاريع المتناهية الصغر التي تشغّل من 3 إلى 5 عمال تمثل المحرك الحقيقي للاقتصاد، مقارنة بالمشاريع الكبيرة التي قد تتجه أرباحها نحو العقارات والادخار.
وحول تراجع الخياطة والتفصيل، يعزو الحلاق ذلك إلى تغير الظروف والعادات، مشبهاً الأمر بانتشار “الدليفري” في الطعام بدلاً من الطبخ المنزلي، لافتاً إلى أن المكان والبيئة يلعبان دوراً أساسياً في تشكيل أنماط الاستهلاك.
أولويات وبدائل
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن “كسوة العيد” تحولت إلى “عبء اقتصادي ثقيل” على آلاف العائلات التي تواجه تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، مقابل ارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
وأرجع سليمان ارتفاع أسعار الألبسة إلى عوامل عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وضعف الصناعة المحلية، إضافة إلى اعتماد السوق على المواد الأولية المستوردة المرتبطة بسعر الدولار، مشيراً إلى أنه في ظل غياب رقابة فعالة على الأسواق أو مبادرات حقيقية لدعم الإنتاج المحلي، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في المعادلة.
وقال سليمان لصحيفة “الثورة السورية”: بين دخل ثابت أو شبه معدوم، وأسواق تلهبها تقلبات سعر الصرف، بات السؤال الأهم لدى كثير من الأهالي: كيف يمكن الحفاظ على فرحة العيد بأقل التكاليف الممكنة؟
وأضاف أن في السنوات الماضية كانت الأسرة السورية تعتبر شراء ملابس جديدة للأطفال من أساسيات العيد التي لا يمكن التنازل عنها، أما اليوم فقد فرض الواقع الاقتصادي بدائل جديدة، جاءت بدافع الضرورة أكثر مما جاءت كخيار.
ومن أبرز هذه البدائل، وفق سليمان، التوسع الكبير في أسواق “البالة” أو الملابس المستعملة، التي باتت الملاذ الأول لشريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود، إذ أصبحت العائلات تبحث عن قطعة جيدة بسعر مقبول بدلاً من شراء لباس جديد يتجاوز أحياناً الراتب الشهري لموظف.
ورغم النظرة الاجتماعية السلبية التي كانت ترافق هذا الخيار سابقاً، فإن الوضع الاقتصادي أعاد ترتيب الأولويات، لتصبح الجودة والسعر أهم من جدّة القطعة.
كما تشمل البدائل الأخرى، بحسب سليمان، تأجيل شراء الملابس الجديدة نهائياً، والتركيز على الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والدواء، وهو ما يعكس حجم التحول في أولويات الإنفاق داخل الأسرة السورية، فحين تصبح تكلفة كسوة طفلين أو ثلاثة أعلى من ميزانية شهر كامل، تتحول الكماليات تدريجياً إلى رفاهية بعيدة المنال.
حلول جذرية
في المقابل، يرى رئيس جمعية حماية المستهلك، الدكتور عبد العزيز المعقالي، أن الغلاء في الأسواق المحلية أصبح “حالة مستمرة”، ولم يعد محصوراً بالمواسم والمناسبات. وأرجع ذلك إلى أسباب رئيسة عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة، حيث انعكس ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء مباشرة على تكاليف التصنيع والنقل، كما أن منع استيراد بعض المواد الأساسية أدى إلى نقص المعروض وارتفاع الأسعار.
وحذّر المعقالي من أن هذه الزيادات في الأسعار “تفوق تكلفة الإنتاج الحقيقية وتفوق قدرة الأسر”، مشيراً إلى أن بعض عروض التنزيلات قد تخفي تراجعاً في الجودة، خاصة في ملابس الأطفال، رغم أن جودة الأقمشة بشكل عام شهدت تراجعاً ملحوظاً.
وأكد رئيس جمعية حماية المستهلك لصحيفة “الثورة السورية” أن “المشكلة الأساسية لا تكمن في توافر السلع بقدر ما ترتبط بالفجوة بين الدخل ومستوى الأسعار”، موضحاً أن الأعباء المعيشية باتت تفوق قدرة كثير من الأسر، خاصة مع ثبات الرواتب وارتفاع تكاليف الحياة.
ولفت المعقالي إلى أن زيادة رواتب القطاع العام ورفع الحد الأدنى للأجور خطوات إيجابية، لكنها تبقى غير كافية لتقليص الفجوة.
وشدد على أن “تحسين دخل المواطن يبقى المدخل الأساسي لتحقيق استقرار الأسواق وتخفيف الأعباء المعيشية”، مشيراً إلى أن أي حلول جزئية في ضبط الأسعار ستظل محدودة الأثر ما لم تُعالج جذور المشكلة المرتبطة بالدخل وتكاليف الحياة اليومية.
وكانت الحكومة السورية قد رفعت في عام 2025 رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة والمتقاعدين بنسبة 200 بالمئة، ثم صدر مرسوم آخر في 2026 بزيادة أجور العاملين بنسبة 50 بالمئة، كما أقرت زيادات نوعية للعاملين في بعض القطاعات.
وخلال أقل من عام، شهد الحد الأدنى للأجور تحولات جذرية في سوريا، إذ ارتفع من نحو 279,000 ليرة قديمة (2,790 ليرة جديدة) في النصف الأول من عام 2025، إلى 750,000 ليرة قديمة (7,500 ليرة جديدة)، ثم إلى 1,256,000 ليرة قديمة (12,560 ليرة جديدة) بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 67 لعام 2026، أي بزيادة تقارب 350 بالمئة.
الثورة السورية – عبد الحميد غانم وميساء العلي
