الفاتورة.. مستند قانوني يحفظ حقوق المستهلك ويحد من اقتصاد الظل

تعد الفاتورة مستنداً قانونياً يرتبط بجوانب اقتصادية ومالية أوسع، تبدأ من تنظيم العلاقة بين المستهلك والتاجر، وتمتد إلى قضايا تتصل بالشفافية والالتزام الضريبي والاقتصاد غير المنظم. ورغم أن بعض المستهلكين يحرصون على طلب الفاتورة ومراجعتها، إلا أن آخرين يكتفون بالدفع دون تدقيق، ما يبرز أهمية زيادة الوعي الاستهلاكي ودوره في حماية الحقوق الفردية، إلى جانب تعزيز كفاءة المنظومة الاقتصادية، وترسيخ ممارسات مالية أكثر انضباطاً وشفافية في التعاملات اليومية.

وأعلنت وزارة المالية مؤخراً إصلاحات ضريبية حديثة تشمل الفوترة الإلكترونية، والربط الرقمي، والإقرارات الإلكترونية، وفواتير برموز الاستجابة السريعة (QR)، على أن يتم تفعيلها تدريجياً خلال العام الحالي.

تفصيل أساسي أم ثانوي؟

تتباين آراء المواطنين، ممن التقتهم صحيفة “الثورة السورية”، حول أهمية طلب الفاتورة، إذ يحرص البعض على الحصول عليها باعتبارها وثيقة تحفظ الحقوق وتتيح إمكانية الاعتراض أو الاستبدال، فضلاً عن دورها في تنظيم الإنفاق ورصد الاستهلاك.

في المقابل، يرى آخرون أن ضغوط الحياة اليومية وضيق الوقت والثقة بالجهة البائعة تجعل من الفاتورة تفصيلاً ثانوياً، ما دامت السلعة أو الخدمة قد وصلت كما هو متوقع.

أما في أوساط أصحاب المحال التجارية والفعاليات الاقتصادية، فيشير البعض إلى أن إصدار الفواتير يعزز الثقة مع الزبائن ويحفظ حقوق جميع الأطراف، فيما يرى آخرون أن نجاح التحول نحو الفوترة الحديثة يتطلب تبسيط الإجراءات وتوفير بنية تقنية ملائمة تمكّن المنشآت الصغيرة من التكيف مع المتغيرات الجديدة.

التهرب الضريبي

ضمن هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن الفاتورة تعد إحدى الركائز الأساسية لتنظيم النشاط الاقتصادي وتعزيز الشفافية، وغيابها يفتح المجال أمام التهرب الضريبي واتساع الاقتصاد غير المنظم، بما ينعكس سلبياً على العدالة الضريبية وكفاءة الاقتصاد.

وقال عايش لصحيفة “الثورة السورية”، إن التهرب الضريبي يعد من أبرز مؤشرات الخلل الاقتصادي، لأنه يتيح لبعض الأنشطة تحقيق أرباح من دون تحمل الالتزامات القانونية التي تلتزم بها المنشآت النظامية، الأمر الذي يخل بمبدأ المنافسة العادلة ويضعف بيئة الاستثمار.

ويمتد أثر هذه الممارسات ليشمل تراجع الإيرادات العامة إلى جانب الحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية وتطوير البنية التحتية وتنفيذ المشروعات الاستثمارية، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات النمو ومستوى معيشة المواطنين.

ويؤدي اتساع الاقتصاد غير المنظم إلى نشوء اقتصادين متوازيين، أحدهما رسمي يخضع للرقابة والضرائب، وآخر يعمل خارج المنظومة القانونية. ومع استمرار هذا الواقع قد تجد بعض المنشآت الملتزمة نفسها مضطرة للبحث عن وسائل لتخفيف أعبائها الضريبية أو استغلال الثغرات القانونية للحفاظ على قدرتها التنافسية، بما يضعف الثقة بالنظام الاقتصادي ويكرس منافسة غير متكافئة، وفق عايش.

واعتبر أن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي تشديد الرقابة والعقوبات إلى جانب نظام ضريبي عادل وشفاف، وإجراءات مبسطة، واستخدام التقنيات الحديثة في تتبع الأنشطة الاقتصادية، بما يشجع على الامتثال الطوعي ويقلل فرص التهرب.

ووفق تقديرات شركة الاستشارات العالمية “Ernst & Young”، يشكل اقتصاد الظل نحو 11.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فيما يبلغ متوسطه 19.3 بالمئة على مستوى الدول، مقارنة بـ5.9 بالمئة في الدول مرتفعة الدخل و42.4 بالمئة في الدول منخفضة الدخل.

وفي بعض الاقتصادات الهشة قد تصل نسبة الاقتصاد غير المنظم إلى ما بين 60 و70 بالمئة من النشاط الاقتصادي، مع هيمنة واضحة على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وقد تؤدي كل زيادة بنسبة 1 بالمئة في حجم اقتصاد الظل إلى انخفاض الإيرادات الضريبية بما يتراوح بين 0.06 و0.18 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

النقد خارج البنوك

يظهر الاقتصاد غير المنظم أيضاً في الانتشار الواسع للتعاملات النقدية خارج القنوات المصرفية، وهو ما يجعل قياس النشاط الاقتصادي الحقيقي أكثر صعوبة، ويحد من قدرة الجهات الحكومية على تقدير حجم السيولة والاستثمارات والإيرادات الفعلية.

ويرى عايش أن الاعتماد الكبير على النقد يسهل التهرب الضريبي ويضعف العدالة الضريبية، كما يزيد من مخاطر غسل الأموال وإعادة تدويرها بعيداً عن الرقابة، الأمر الذي يؤثر في ثقة المستثمرين والاستقرار المالي.

ويمتد أثر الاحتفاظ بالأموال خارج الجهاز المصرفي إلى البنوك نفسها، إذ يؤدي إلى انخفاض حجم الودائع، ما يحد من قدرة المصارف على تمويل المشاريع الإنتاجية والاستثمارية.

وأوضح عايش أن تراجع الودائع يرفع كلفة الأموال نتيجة المنافسة على استقطاب السيولة، وهو ما ينعكس على أسعار الفائدة وكلفة التمويل، ويقلص قدرة القطاع الخاص على التوسع والاستثمار. كما تؤدي البنوك دوراً محورياً في حماية الاقتصاد عبر تطبيق إجراءات مكافحة غسل الأموال والتحقق من مصادر الأموال، بما يعزز الاستقرار المالي ويحد من الأنشطة غير المشروعة.

اقتصاد أكثر تنظيماً

يعتبر عايش أن الفاتورة الإلكترونية تمثل خطوة محورية نحو بناء اقتصاد أكثر تنظيماً، إذ توثق عمليات البيع والشراء، وتحد من فرص التلاعب بالإيرادات، وتوفر قاعدة بيانات دقيقة تساعد الدولة على تحسين كفاءة التحصيل الضريبي وصياغة سياسات مالية أكثر فاعلية.

كما تسهم في تحقيق منافسة أكثر عدالة، وتعزيز الثقة بين البائع والمستهلك، وتوفير معلومات دقيقة تدعم التخطيط الاقتصادي.

وأكد أن نجاح هذا النظام يعتمد على التكنولوجيا، كما يتطلب أيضاً نشر الوعي بأهميته، والتزام أصحاب الفعاليات الاقتصادية، ووجود رقابة فعالة، إلى جانب تقديم حوافز تشجع المكلفين على الالتزام، خاصة خلال المراحل الأولى من التطبيق.

وأضاف عايش أن نجاح الفوترة الإلكترونية يرتبط بإصلاح اقتصادي وإداري متكامل يشمل تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع كفاءة الإدارة الضريبية.

وشدد على أن بناء الثقة بين الدولة والمكلفين يمثل الركيزة الأساسية لنجاح أي إصلاح ضريبي، لأن العدالة والوضوح في التطبيق يشجعان على الامتثال الطوعي ويوسعان قاعدة الاقتصاد الرسمي.

ويرى الخبير الاقتصادي أن نجاح التجربة في سوريا يتطلب استكمال البنية التحتية الرقمية، وتحسين خدمات الكهرباء والاتصالات، واعتماد تطبيق تدريجي يراعي خصوصية مختلف القطاعات الاقتصادية، بالتوازي مع نشر الوعي بأهمية الفاتورة الإلكترونية.

ووصف الفاتورة بأنها أداة لتنظيم الاقتصاد وترسيخ ثقافة الشفافية وحماية حقوق جميع الأطراف، مشدداً على أن نجاحها يعتمد في النهاية على تكامل الإصلاحات وبناء الثقة بين الدولة والمكلفين، بما يسهم في دمج الاقتصاد غير المنظم ضمن الاقتصاد الرسمي، وتعزيز الاستثمار والنمو والاستقرار المالي.

الوعي الاستهلاكي

من جهتها، ترى الباحثة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، الدكتورة سلوى شعبان، أن عدم طلب الفاتورة ومراجعتها يمثل بحد ذاته إشكالية اقتصادية تتجاوز السلوك الاستهلاكي الفردي، باعتبار أن الفاتورة مستند قانوني يشكّل الإثبات الحقيقي لطبيعة الاستهلاك.

وأوضحت شعبان لصحيفة “الثورة السورية” أن غياب الفاتورة وعدم الاطلاع عليها على مستوى الأسرة يجعل من الصعب ضبط الميزانية المالية وترشيد الاستهلاك والتخطيط المالي، ما ينعكس سلبياً على الاقتصاد الوطني من خلال استنزاف الموارد، وزيادة العجز المالي، وتراجع سداد الفواتير، وتراكم الديون، وانخفاض التدفقات المالية للشركات العامة، إضافة إلى ما يرافق ذلك من ضعف في عمليات الصيانة الدورية وتراجع الكفاءة التشغيلية وتفاقم الخسائر.

ولفتت شعبان إلى أن غياب ثقافة مراجعة الفواتير يُعد شكلاً من أشكال الأداء بالوكالة والتسويف في إجراءات ترتبط بحياة المواطن وتفاصيله اليومية، مرجعة ذلك إلى انخفاض الوعي الاستهلاكي لدى شريحة واسعة من المواطنين، والانشغال بأعباء الحياة، وضيق الوقت، والضغوط الاقتصادية، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الأنظمة الإلكترونية والثقة بقدرتها على تجنب الأخطاء، فضلاً عن صعوبة فهم آليات الفواتير والرموز المستخدمة فيها.

وأكدت أن ضعف الالتزام بطلب الفواتير يشكل خللاً سلوكياً يسهم في تسهيل عمليات التهرب الضريبي ويعيق الجهود الرامية إلى الحد منه، كما يفتح المجال أمام أساليب التقدير الاحتمالي والجزافي التي تؤدي إلى نشوء خلافات بين الجهات المالية والمكلفين.

وأضافت أن غياب الفاتورة، باعتبارها المستند القانوني والدليل الحقيقي على الدخل، يؤدي إلى اضطراب في النتائج المالية، ويعزز العمل خارج إطار المنظومة الضريبية، ويشجع على الاقتصاد الخفي، ويحرم الخزينة العامة من الإيرادات اللازمة لتمويل الخدمات الأساسية، ما يفضي إلى بيئة اقتصادية غير متكافئة.

ثقافة مجتمعية

يستدعي تحويل طلب الفاتورة ومراجعتها من سلوك فردي إلى ثقافة مجتمعية راسخة، تعزيز الرقابة والمتابعة والتتبع، وتفعيل القانون والمحاسبة، وفرض العقوبات على التهرب الضريبي، وإلزام جميع الأنشطة التجارية بإصدار الفواتير، وفق شعبان.

ودعت الخبيرة إلى تسهيل استخدام التطبيقات الذكية وتقنية رمز الاستجابة السريعة “QR Code” للتحقق الفوري من صحة الفواتير، إلى جانب إطلاق حملات توعية ومبادرات مجتمعية توضح أهمية الفاتورة في ضبط الأسواق وحفظ حقوق الدولة والأفراد.

وأكدت أن الحداثة والتحول الرقمي عبر تبني أنظمة الفوترة الإلكترونية المربوطة مركزياً من شأنه أن يسهم في توثيق المعاملات، وتسهيل التدفقات المالية، والحد من التلاعب، وتعزيز حماية حقوق المستهلك.

الثورة السورية – وعد ديب

شارك