خبير مالي: التحول الرقمي تمييز ضروري والحوالات الرافعة الأكبر والأصعب

خاص – «المال»

في بورصة دمشق …… مليارا دولار لا تكفي لتمويل اقتصاد

أنهت سوق دمشق للأوراق المالية النصف الأول من عام ٢٠٢٦ بمؤشرات صاعدة، لكن الأرقام التي تحتل المؤشرات تروي قصة أخرى، أربعة أسهم فقط استحوذت على ٨٠.٧٥٪ من قيمة التداولات، وقطاعان اثنان أخذا ٩٩.٣٦٪ منها، ولم يتجاوز متوسط ما يُتداول في الجلسة الواحدة ١٧٣ ألف دولار، والسؤال الذي تطرحه هذه الأرقام ليس إلى أين يتجه المؤشر، بل هل تستطيع السوق أن تؤدي وظيفتها الأصلية؟، وهي تحويل مدخرات الناس إلى تمويل لشركات منتجة؟

بحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم الذي تحدث لـ “مجلة المال“ فإن عودة السوق إلى التداول في الثاني من حزيران 2025، بعد توقف بدأ في الثامن من كانون الأول 2024، لم تكن مجرد استئناف لحركة بيع وشراء، إنما إعادة تفعيل لأداة يفترض أن تربط أصحاب المدخرات بالشركات الباحثة عن تمويل، وقد جاءت العودة بعد استكمال الإفصاحات المالية، فعادت أسهم 18 شركة من أصل 27 في الأسبوع الأول، أي 66.7%، ثم ارتفع عدد جلسات التداول من ثلاثة أيام أسبوعياً إلى خمسة اعتباراً من تموز 2025.

حجم السوق بالأرقام

يشير الخبير عبد الكريم إلى أن قيمة التداولات في النصف الأول تجاوزت 2.4 مليار ليرة سورية جديدة، أي نحو 19.7 مليون دولار، عبر 58.4 مليون سهم في 117 جلسة، بمعدل 21.1 مليون ليرة و499،145 سهماً في الجلسة، والليرة الجديدة هنا هي الناتجة عن إعادة التسمية بحذف صفرين اعتباراً من الأول من كانون الثاني 2026، بحيث صارت كل مئة ليرة قديمة تعادل واحدة جديدة، عبر 59 مؤسسة مالية وأكثر من 1،500 فرع خلال تسعين يوماً ومن دون رسوم، وهو إجراء محاسبي لا يزيد ثروة أحد ولا ينقصها.

ويقول: أما القيمة السوقية للشركات المدرجة فبلغت نحو 254 مليار ليرة جديدة أي 2.08 مليار دولار، وبقسمتها على 27 شركة يكون متوسط الشركة الواحدة نحو 77 مليون دولار، وبمقارنتها بالناتج المحلي الإجمالي المقدر بنحو 30.6 مليار دولار، تمثل البورصة 6.8% فقط من الاقتصاد، مقابل نسب تتراوح بين 20% و100% في أسواق المنطقة، وبعبارة أوضح، البورصة السورية بأكملها تساوي نصف ما يرسله السوريون إلى بلدهم في سنة واحدة، وتعادل 60.5% فقط من النقد المتداول البالغ 420 مليار ليرة جديدة، ما يعني أنها عاجزة عن استيعاب السيولة القائمة حتى لو أراد حاملوها جميعاً شراء أسهم.

 

التركز والضحالة

تركزت التداولات في عدد محدود من الأسهم، إذ استحوذت أربعة أسهم على 80.75% من قيمة التداولات، هي إسمنت البادية بنحو 1.1 مليار ليرة أي 45.8% من السوق وحده، وبنك قطر الوطني سوريا بـ 370.6 مليون، وبنك البركة سوريا بـ 279.7 مليون، والمصرف الدولي للتجارة والتمويل بـ 187.7 مليون، بمجموع 1.938 مليار ليرة، بينما تتقاسم الشركات الثلاث والعشرون الباقية 19.25%. وعلى مستوى القطاعات أخذت المصارف 51.48% والصناعة 47.88% والخدمات 0.55% والتأمين 0.09%، أي أن قطاعين اثنين استحوذا على 99.36% من الحركة، وأن قطاع التأمين كله تداول في نصف سنة بما يعادل 18 ألف دولار.

ويقيس عبد الكريم هذه الحالة بنسبة الدوران، وهي مؤشر يقارن قيمة ما جرى تداوله بالقيمة السوقية الإجمالية، تماماً كما نقيس دوران بضاعة تاجر في مستودعه، وقد بلغت 0.94% خلال ستة أشهر أي نحو 1.89% سنوياً، مقابل أكثر من 20% في الأسواق الناشئة النشطة، أي أن السوق أبطأ بعشرة أضعاف.

وتظهر الضحالة في تفاصيل الجلسات أكثر مما تظهر في المتوسطات، فمتوسط قيمة الصفقة الواحدة نحو 24 ألف ليرة أي 199 دولاراً، وهو حجم أفراد لا مؤسسات، وفي جلسة 31 أيار 2026 ارتفع سهم الشركة الأهلية للنقل 4.99%، وهي أقصى نسبة يومية مسموح بها، بحجم تداول لم يتجاوز 1،072 سهماً بقيمة أقل من ألف دولار، وفي المقابل لم تتجاوز تداولات سهم السورية الكويتية للتأمين 160 ألف ليرة في 117 جلسة، أي 1،367 ليرة في الجلسة الواحدة، ولهذا ينصح عبد الكريم بقاعدة واحدة: «انظر إلى قيمة التداول قبل أن تنظر إلى نسبة الارتفاع».

 

الإفصاح أنجز مهمته والسيولة لم تُحل بعد

 

كان إلزام الشركات بتقديم بياناتها المالية والكشف عن ملكية المساهمين الداخليين شرطاً سابقاً لإعادة التداول، لأن السوق لا تعمل بعدالة إذا اشترى المستثمر سهماً وهو يجهل الوضع الحقيقي للشركة، والإفصاح يعني إعلان كل معلومة قادرة على التأثير في قرار البيع أو الشراء، من البيانات المالية إلى تغييرات الإدارة إلى الأحداث الجوهرية، بينما يهدف الكشف عن المساهمين الداخليين وأعضاء مجالس الإدارة إلى منع استثمار المعلومة غير المتاحة للجمهور على حساب باقي المتعاملين.

وثمرة ذلك ملموسة، إذ صار المستثمر قادراً على حساب عائد التوزيعات بنفسه: إسمنت البادية وزعت 65 ليرة للسهم عند سعر 859.84 ليرة أي بعائد 7.56%، والأهلية للزيوت النباتية 15 ليرة عند 322.05 أي 4.66%، والشركة الأهلية للنقل 4 ليرات عند 137.68 أي 2.91% لكن الإفصاح، على أهميته، يحسّن جودة القرار الاستثماري ولا يخلق سيولة.

ويربط عبد الكريم استعادة الثقة بحزمة متكاملة تشمل استقرار سعر الصرف، وتحسن العلاقة المصرفية مع الخارج عبر المصارف المراسلة، وهي مصارف أجنبية تقبل أن تكون بوابة المصرف المحلي إلى العالم فتستقبل الحوالات والاعتمادات وترسلها نيابة عنه ويبقى المصرف من دونها معزولاً مهما بلغت سيولته الداخلية، إضافة إلى زيادة عدد الشركات المدرجة واستقرار القوانين والضرائب لفترة تسمح للمستثمر بالتخطيط.

 

أدوات الدين ليست غائبة لكنها غير مستثمرة

ما زالت السوق تعتمد بدرجة أساسية على تداول الأسهم، والفرق الجوهري أن تداول الأسهم القائمة ينقل الملكية بين المستثمرين دون أن يضيف ليرة واحدة إلى خزينة الشركة، بينما يسمح الإصدار الجديد بجمع تمويل يُستخدم في مشاريع أو توسعات.

 

ويشير الخبير عبد الكريم إلى أن أدوات الدين موجودة فعلاً على شاشة السوق، إذ تُدرج ثماني أوراق مالية حكومية عند قيمتها الاسمية البالغة 100 ليرة، بعوائد تتراوح بين 9.73% و9.93% وبمتوسط 9.84%، وبآجال تمتد من 2027 إلى 2029، ويعني ذلك أن العائد الخالي من المخاطر، – وهو المسمى كذلك لأن المقترض هو الدولة – يفوق أعلى عائد توزيعات في سوق الأسهم البالغ 7.56% بفارق 2.28 نقطة مئوية ومن دون تحمل تقلب السعر، وهي معلومة ينبغي أن يعرفها كل من يفكر بالشراء.

ويستند التوسع في هذه الأدوات إلى ضرورة مالية لا إلى ترف فني، فموازنة 2026 تتوقع إيرادات بنحو 8.7 مليار دولار وإنفاقاً بنحو 10.5 مليار، أي عجزاً قدره 1.8 مليار يمثل 17.1% من الإنفاق و5.9% من الناتج المحلي، ولا سبيل لتغطيته إلا بطباعة النقود وما يتبعها من ارتفاع الأسعار، أو بالاقتراض المنظم من المدخرين، وتغطية هذا العجز بأدوات محلية تحتاج نحو 220 مليار ليرة جديدة، أي 86.5% من قيمة البورصة كلها، ما يعني أن سوق الدين إن نجحت ستكون أكبر من سوق الأسهم بأكملها.

وقد ترأس وزير المالية اجتماعاً للجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية لمناقشة مسودة خطة استراتيجية لإصدار سندات وأذون وصكوك سيادية ضمن توجه للخروج من التمويل النقدي، على ألا يخرج الإصدار الأول قبل الربع الأخير من 2026.

وأدوات الدخل الثابت هذه – أي الاستثمارات التي يُعرف عائدها سلفاً ويُدفع في مواعيد محددة بعكس السهم الذي يتغير عائده مع أرباح الشركة – تعد مدخلاً لجذب المدخرين الأقل تحملاً للمخاطرة، ووجودها بآجال متعددة يسمح ببناء منحنى العائد، وهو خط بياني يوضح العائد المطلوب على الاقتراض لكل مدة زمنية، ومن دونه يبقى تسعير أي قرض أو مشروع في الاقتصاد كله اجتهاداً شخصياً.

 

التحول الرقمي تمييز ضروري

يميز عبد الكريم بين التداول الإلكتروني والتداول عبر الإنترنت، فمطابقة أوامر البيع والشراء داخل نظام السوق تجري حاسوبياً منذ التأسيس عام 2009 استناداً إلى المرسوم التشريعي رقم 55 لعام 2006، أما التطوير المطلوب فهو تمكين المستثمر من إرسال أمره مباشرة من هاتفه أو حاسوبه دون المرور بإجراء ورقي لدى الوسيط، وقد بدأت الخطوة الأولى فعلاً عبر خدمة أطلقت بالتعاون مع شركة ألفا كابيتال، استناداً إلى قرار مجلس المفوضين رقم 166/م تاريخ 20/09/2022 المتعلق بضوابط فتح حسابات التداول إلكترونياً. وأثر الرقمنة قابل للقياس، فحين يكون متوسط الصفقة 24 ألف ليرة، فإن كلفة إضافية بخمسة آلاف ليرة تمثل 20.6% من قيمة الصفقة وتلتهم عائد سنة كاملة، لكن مضاعفة عدد الحسابات النشطة لا تكفي إذا بقيت السوق محدودة من حيث عدد الشركات، لأن دخول أموال جديدة إلى سوق ضيقة يرفع الأسعار أكثر مما يمول الاقتصاد.

 

ما ينقص المستثمر المؤسسي

الوصف الدقيق للحالة أن السوق جاهزة للمستثمر الفرد والعائلي والمحلي، وغير جاهزة بعد للمستثمر المؤسسي، أي المتعامل الكبير الذي يستثمر بانتظام وبأحجام تصنع عمقاً حقيقياً، فبناء مركز بمليون دولار فقط، وهو مبلغ متواضع بمعايير الصناديق، يعادل تداول السوق كلها 5.8 جلسات، ويحتاج بقاعدة عدم تجاوز 20% من حجم التداول اليومي نحو 29 جلسة للبناء ومثلها للخروج، يضاف إلى ذلك، أن البيع الآجل والبيع على الهامش وإقراض الأسهم غير مسموح بها حالياً، فالسوق باتجاه واحد لا يربح فيها المستثمر إلا إذا صعد السهم.

ولمعالجة ذلك يطرح عبد الكريم مدخلين، الأول تفعيل صانع السوق، وهو جهة مالية مرخصة تلتزم بعرض سعر شراء وسعر بيع مستمرين لبعض الأسهم، فتضمن وجود طرف مقابل في كل لحظة وتحد من القفزات السعرية الناتجة عن قلة التداول، والثاني تطوير صناديق الاستثمار المشترك التي تجمع أموال عدد كبير من المدخرين وتديرها جهة متخصصة، إذ يكفي صندوق واحد بحجم عشرة ملايين دولار ليعادل وحده 50.8% من تداولات النصف الأول كلها.

 

الأولوية لزيادة البضاعة لا جلب المشترين

يرى عبد الكريم أن سبعاً وعشرين شركة لا تمثل اقتصاداً فيه زراعة وصناعة وتجارة وخدمات، وأن المدخل هو حوافز ضريبية وإجرائية تدفع الشركات العائلية إلى التحول لشركات مساهمة عامة، وأثر ذلك قابل للحساب، فإضافة عشر شركات بمتوسط الحجم الحالي البالغ 9.4 مليار ليرة يرفع قيمة السوق من 254 إلى 348 مليار أي بنسبة 37%، ويرفع نسبتها إلى الناتج المحلي من 6.8% إلى 9.3%، دون أن يرتفع سعر سهم واحد.

وتبقى التحديات الأخرى قائمة، من ضعف السيولة وتركز التداولات وتأثيرات سعر الصرف، إلى الحاجة إلى رفع الثقافة الاستثمارية، وهي جهد بدأ فعلاً بتدريب أكثر من 300 طالب منذ بداية العام أي بمعدل خمسين شهرياً، لكنه معدل لا يكفي لتغطية مجتمع بالملايين.

 

سبعة أرقام تحسم الإجابة

يرفض عبد الكريم قياس النجاح بعبارات إنشائية، ويضع سبعة مؤشرات محددة بسقف زمني، نسبة القيمة السوقية إلى الناتج المحلي، وانتقالها من 6.8% إلى 15% خلال ثلاث سنوات يعني قيمة تقارب 4.6 مليارات دولار، ونسبة الدوران السنوي، وانتقالها من 1.89% إلى 8% يعني تداولات سنوية نحو 20.3 مليار ليرة بدل 4.8 مليارات ومتوسط جلسة 87 مليوناً بدل 21.1، وعدد الشركات، وبمعدل خمس سنوياً نصل إلى 42 شركة عام 2029، وعدد الحسابات النشطة فعلاً لا المفتوحة على الورق، وحصة أكبر أربعة أسهم، وخفضها من 80.75% إلى ما دون 60%، ومتوسط حجم الصفقة، وارتفاعه من 24 ألف ليرة إلى ما فوق 200 ألف بما يعني أن مستثمراً مؤسسياً دخل فعلاً، وأخيراً نسبة تغطية أول إصدار للصكوك السيادية، فإذا طلب الناس أكثر مما طُرح عليهم كانت تلك شهادة ثقة بالدولة وبالسوق معاً.

ويختم عبد الكريم حديثه للمجلة بالقول: «إذا نُفذت هذه الحزمة بترتيبها الصحيح تحولت البورصة من رمز على عودة الاقتصاد بقيمة ملياري دولار إلى قناة تمويل حقيقية تسند إعادة الإعمار وإذا نُفذت مبعثرة بقيت شاشات تعمل خمسة أيام في الأسبوع على 173 ألف دولار يومياً وعلى صفقة متوسطها 199 دولاراً

شارك