رؤية للتعافي المستدام والعدالة التنموية

بقلم المهندس باسل كويفي     

الباحث في الشؤون الاقتصادية

تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وفارق في مسارها الاقتصادي؛ فدمشق وباقي المحافظات والمدن تئن تحت وطأة أزمات مركبة تتشابك فيها ضغوط التضخم الجامح، النقص الحاد في التمويل والاستثمار، والقيود الاقتصادية القاسية.

إلا أن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى تتضمن في طياتها فرَصاً استثنائية للتحول الهيكلي، عندما تستند البلاد إلى مقوماتها الذاتية لتغدو محركاً شاملاً لإعادة الإعمار، وجاذباً للاستثمارات في الطاقة والخدمات المالية واللوجستية، بيد أن هذا التحول يستلزم منظومة اقتصادية متوازنة تضع الإنسان في مركز أولوياتها وتربط النمو بالعدالة التشريعية والحوكمة الشفافة.

 

هوية اقتصادية هجينة واستثمار العبور الإقليمي

إن الانطلاقة الحقيقية لأي مشروع تعافٍ موثوق تبدأ من صياغة «هوية اقتصادية جديدة» تتسم بالمرونة والهجينة، وتضمن التكامل التنموي بين المحافظات بناءً على الميزة التنافسية لكل منطقة، ويمكن لدمشق أن تقود هذا التحول كنموذج ريادي يتمدد نحو باقي المدن عبر أربعة أركان متكاملة، أولها القطاع الخدمي والمالي المتقدم عبر تحويل العاصمة إلى مركز إقليمي لإدارة وتوظيف عمليات تمويل إعادة الإعمار، وجذب المصارف وشركات الاستثمار لإدارة المحافظ المباشرة.

وثانيها صناعة التكنولوجيا والابتكار من خلال الاستثمار المكثف في الطاقات الشبابية، وتحويل المدن الحضرية إلى مراكز متميزة للخدمات الرقمية وصناعة البرمجيات لتوليد فرص عمل عالية القيمة، وثالثها السياحة البيئية والثقافية والطبية من خلال استثمار الإرث التاريخي العريق والتنوع الجغرافي كمعالم جذب استثماري مستدام تحقق تدفقات نقدية بالعملات الأجنبية.

ورابعها الصناعة والتجارة الخفيفة ذات التنافسية عبر التركيز على الصناعات التقليدية المتقدمة كالصناعات الدوائية والنسيجية، وترميم سلاسل التوريد المترابطة مع الأسواق العالمية.

وينطوي هذا النموذج على استثمار استراتيجي للموقع الجغرافي المميز لسوريا، عبر تحفيز حركة الترانزيت والنقل العابر للشاحنات والمركبات، وتنشيط الملاحة الجوية العابرة، والموانئ البحرية لتداول البضائع بين الشرق والغرب.

ويضاف إلى ذلك تسهيل مرور شبكات وأنابيب الطاقة الممتدة من الخليج العربي والعراق نحو حوض المتوسط، مما يدرّ مليارات الدولارات سنوياً لصالح الخزينة العامة، ولتحقيق ذلك، يجب تنظيم الأسواق ودمج «الاقتصاد غير الرسمي» تدريجياً في الهيكل الرسمي عبر تحفيز ضريبي مرن وتسهيل أدوات التمويل الأصغر وتشريعات وقوانين محدثة.

البنية التحتية والربط اللوجستي بين المدن والريف

إن تحريك عجلة الاقتصاد لا يمكن أن يتحقق دون تحديث وتجهيز شامل للبنية التحتية؛ وفي مقدمتها إعادة تأهيل وتطوير شبكات الطرق والمواصلات العامة، والسكك الحديدية، والمطارات، والموانئ البحرية، باعتبارها الركيزة الأساسية لربط الموانئ بالمناطق الصناعية والزراعية وتسهيل التجارة البينية والإقليمية.

كما تسببت سنوات الحرب في انقطاع هيكلي بين المراكز الحضرية وأريافها المنتجة، مما هدد الأمن الغذائي ورفع تكاليف الإمداد، ولا يمكن علاج هذا الخلل إلا بإنشاء ممرات لوجستية خضراء وترميم شبكات النقل، مع دعم تطبيقات «الزراعة الذكية» المعتمدة على الطاقة الشمسية، والتوسع في تدوير المياه المعالجة لاستصلاح الأراضي.

ويضاف إلى ذلك إطلاق عقود التمويل المسبق بين المزارعين وتجار المدن، وإنشاء مناطق تصنيع زراعي صغرى للتعبئة والتغليف في الأرياف، لبناء دورة اقتصادية مغلقة تستعيد التوازن المالي والغذائي وتخفف الضغط عن الموازنة العامة.

 

التمويل الأخضر والعدالة التشريعية الشاملة

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والآثار المزدوجة الناتجة عن الحرب والجفاف والعقوبات، لم يعد ممكناً فصل السياسات المباشرة عن الاستدامة البيئية، وهنا بالذات تبرز الحاجة لتطبيق أدوات مالية حديثة وفي مقدمتها تفعيل آليات «مقايضة الديون بالاستثمار في الطبيعة والمناخ»، والاستفادة من صناديق التمويل الأخضر الدولية، وتحفيز شراكات القطاعين العام والخاص (PPP) في مشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية.

وعلى الصعيد التشريعي، يُعد «جبر الضرر» ضرورة اقتصادية وحتمية إنسانية؛ ويتطلب ذلك:

1-تعديل التشريعات الاقتصادية وإلغاء القوانين المصرفية المكبلة لبيئة الأعمال.

2-إعفاء المتضررين من الضرائب والرسوم، وإسقاط القروض البنكية المتراكمة بفوائدها وأصولها عن المنشآت الاقتصادية والإنتاجية والممتلكات التي دُمرت أو طالتها أدوات الحرب لتمكين أصحابها من استعادة فاعليتهم الإنتاجية.

3-إلغاء القرارات التعسفية وإعادة الممتلكات المصادرة بقرارات إدارية أو قضائية مجحفة استهدفت معارضي النظام السابق، وتصحيح الاختلالات العقارية والقضائية لتأمين بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.

مجلس الحوكمة الاقتصادي-الاجتماعي كإطار تنفيذي

ولضمان نقل هذه الرؤية من الأُطر النظرية إلى الممارسة الميدانية، يُصبح إقامة «مجلس حوكمة اقتصادي-اجتماعي» ضرورة ملحة، حيث يُشكل هذا المجلس من هيئة مستقلة وشفافة تضم خبراء ومختصين، ممثلين عن الحكومة، الغرف التجارية والصناعية، المجتمع المدني، الأكاديميين، والإدارات المحلية.

وتتلخص مهام هذا المجلس في صياغة أوراق السياسات النقدية والمالية، وإجراء الرقابة المجتمعية على المشاريع الاستثمارية الكبرى، وتجسير الفجوة بين صناع القرار والمجتمعات وقطاع الأعمال، فضلاً عن تفعيل المبادرات التنموية للقطاع الخاص عبر «المسؤولية الاجتماعية للشركات»، لتطوير البنى التحتية والخدمات، ودعم منظومات الحماية الاجتماعية والضمان الصحي.

إن النجاح في المرحلة القادمة مرهونٌ بالانتقال الجاد من منطق ‹إدارة الأزمات› إلى ‹التعافي المستدام› المُمنهج، ومن أدوات التمويل التقليدية إلى آليات التمويل الأخضر والعادل.

فالاقتصاد الذي لا يُجبر الضرر ولا يحمي مواطنيه ومؤسساته يظل اقتصاداً هشاً مهما تحسنت مؤشراته الرقمية؛ مما يستوجب صياغة منظومة مالية واقتصادية ذات بعد إنساني ومستدام، تصون كرامة المواطن وحقوقه، وتُرسخ دعائم الاستقرار والازدهار الشامل

شارك