هل تصبح الصكوك السيادية………بوابة الاستقرار المالي في سوريا؟

خاص – «المال»

وزير المالية محمد يسر برنية يبحث مع وفد فني من وزارة المالية والبنك المركزي الأردني سبل التعاون والاستفادة من التجربة الأردنية

 

الصكوك السيادية تمثل أداة تمويلية يمكن أن تسهم في تغطية عجز الموازنة

 

تتجه وزارة المالية إلى إطلاق أول إصدار للصكوك السيادية في سوريا، ضمن خطة لإعداد إطار وخطة عمل لإصدار الأوراق المالية الحكومية، التي تشمل أذون وسندات الخزينة والصكوك السيادية، ضمن خطوة تستهدف تطوير أدوات التمويل الحكومية وتعزيز إدارة السيولة.

 

بحسب وزارة المالية، تهدف هذه الأدوات إلى توفير مصادر تمويل حقيقية غير تضخمية لتمويل الموازنة العامة للدولة، وخلق مؤشر عائد مرجعي يساعد المؤسسات المالية والمصرفية على تسعير خدماتها بما يعكس المخاطر بكفاءة، إضافة إلى تمكين مصرف سوريا المركزي من تفعيل إدارة نشطة للسيولة وعمليات السوق المفتوحة.

كما أكدت الوزارة أن العمل يجري بالتشاور مع الجهات المعنية، وفي مقدمتها مصرف سوريا المركزي، مع التوسع التدريجي في الإصدارات لبناء منحنى عائد للأوراق المالية الحكومية وتحقيق الاستدامة المالية، كما نصت الموازنة العامة للدولة لعام 2026 على اللجوء إلى إصدار الصكوك كمصدر رئيسي لتمويل العجز المقدر في الموازنة.

وفي سياق التحضير لهذه الخطوة، بحث وزير المالية محمد يسر برنية مع وفد فني من وزارة المالية والبنك المركزي الأردني سبل التعاون والاستفادة من التجربة الأردنية في إصدار الصكوك السيادية، ضمن برنامج يهدف إلى دعم جهود الوزارة في إطلاق أول إصدار من هذا النوع في سوريا وتعزيز سوق الأوراق المالية الحكومية.

  • الصكوك السيادية إحدى أدوات السياسة المالية
  • يلفت الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد إلى أن الصكوك السيادية، والتي تعتبر إحدى أدوات السياسة المالية، تسهم أيضاً في جذب السيولة الفائضة داخل المجتمع، بما يمكن مصرف سوريا المركزي من استخدام هذه الأدوات في عمليات السوق المفتوحة من خلال بيعها وشرائها عبر سوق الأوراق المالية، الأمر الذي يعزز كفاءة إدارة السيولة في الاقتصاد.
  • وفيما يتعلق بسعر الصرف، أوضح محمد أنه لا يمكن الجزم بأن إصدار الصكوك السيادية سيؤدي بمفرده إلى تحسين سعر الصرف أو تثبيته، لأن سعر الصرف يتأثر بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها مستوى الإنتاج، وتطور النشاط الاقتصادي، وحجم استنزاف النقد الأجنبي، إلى جانب السيولة النقدية.
  • وأضاف محمد، أن خفض حجم النقد المتداول في السوق عبر استقطاب جزء من السيولة الفائضة يخفف العرض النقدي، وبالتالي يحد من الضغوط التضخمية التي تؤثر في سعر الصرف، ووفق رأيه لا يمكن إنكار الفائدة الإيجابية على سعر الصرف، وإن كان استقرار سعر الصرف يتطلب في الوقت نفسه تحسناً في الإنتاج والعوامل الاقتصادية الأخرى.
  • وأشار إلى أن الصكوك السيادية تمثل أداة تمويلية يمكن أن تسهم في تغطية عجز الموازنة، إلا أن قدرتها على الاستمرار في أداء هذا الدور ترتبط بتوافر مصدر تمويلي مستدام، وهو ما يتطلب تطور النشاط الاقتصادي وارتفاع الملاءة المالية للشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية الراغبة في الاكتتاب بهذه الأدوات
  • وأضاف الخبير الاقتصادي، أن معالجة العجز لا تعتمد على أدوات التمويل وحدها، لأن العجز يرتبط أيضاً بعوامل أخرى، منها انخفاض القاعدة الضريبية، وارتفاع الإنفاق الجاري، وتراجع النشاط الاقتصادي، لذلك فإن نجاح الصكوك السيادية يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية تشمل ترشيد الإنفاق العام ورفع كفاءته، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي لزيادة الإيرادات العامة، إلى جانب دعم الإنتاج والاستثمار، وتحسين أداء مؤسسات وشركات القطاع العام المتعثرة.

كيف تسهم الصكوك السيادية في الاقتصاد

وفي ظل هذه التوجهات، تبرز تساؤلات حول ماهية الصكوك السيادية، وكيف يمكن أن تسهم في الاقتصاد السوري، وما الذي قد تضيفه إلى أدوات التمويل الحكومية، وهو ما أوضحه الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد لـ “مجلة المال“، مبيناً أن الفكرة الأساسية عند الحديث عن الصكوك السيادية وسائر الأوراق المالية الحكومية تقوم على استبدال التمويل عبر الإصدار النقدي بتمويل يعتمد على أدوات مالية، بما يحد من الآثار التضخمية الناتجة عن زيادة الكتلة النقدية.

وأوضح أن اللجوء إلى الإصدار النقدي لتغطية الاحتياجات التمويلية يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية المتداولة، وزيادة ضخ العملة الوطنية في السوق، وبالتالي حدوث آثار تضخمية وآثار غير جيدة على الاقتصاد الوطني، وفي المقابل، فإن تمويل الاحتياجات المالية من خلال الصكوك السيادية وسندات وأذون الخزينة يتيح استقطاب السيولة الفائضة بالليرة السورية، مع احتمال إصدار صكوك بعملات أخرى، بما يسمح بجذب الأموال المتوافرة لدى المصارف والمستثمرين ومؤسسات الأعمال والمؤسسات المالية.

الفكرة الأساسية في الصكوك السيادية وسائر الأوراق المالية الحكومية هي الحد من الآثار التضخمية الناتجة عن زيادة الكتلة النقدية

أشار إلى أن استقطاب هذه السيولة يحد من بقائها مكتنزة من دون عائد، ويتيح توجيهها نحو تمويل احتياجات الإنفاق العام، وأضاف أن الموازنة العامة للدولة لعام 2026 تبلغ نحو 10.5 مليارات دولار، فيما يقدر العجز بنحو 1.8 مليار دولار، موضحاً أن تمويل هذا العجز عبر الصكوك السيادية وسندات وأذون الخزينة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعتمد على أدوات تمويل أقل أثراً من الناحية التضخمية، تستخدم حصيلتها في مشاريع الانفاق الاستثماري بشكل أساسي إضافة إلى متطلبات الإنفاق الجاري.

وبحسب محمد، فإن استقرار هذه الأدوات التمويلية من شأنه أن يوفر مصدراً مستداماً لتمويل الموازنة العامة خلال عام 2026 وما بعده، شريطة تطور النشاط الاقتصادي وارتفاع الملاءة المالية للشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية الراغبة في الاكتتاب بها، وأكد أن التمويل بالعجز يترك آثاراً غير حميدة تبدأ بزيادة الضغوط التضخمية وتمتد إلى انعكاسات اقتصادية أخرى، في حين تسهم أدوات التمويل الجديدة في الحد من هذه الآثار وأيضاً في دعم الاستقرار النقدي

نهج تدريجي

وأوضح محمد أن سوريا تمتلك تجربة سابقة في إصدار سندات وأذون الخزينة، إلا أنها بقيت تجربة محدودة، لذلك فإن الخبرة المتراكمة والسوق المحلية في هذا المجال ما تزالان ضعيفتين، وأشار إلى أن اعتماد نهج تدريجي في إصدار الصكوك السيادية يعد الخيار الأنسب في المرحلة الحالية، لأنه يسمح بقياس حجم الطلب الفعلي على هذه الأدوات، والتعرف إلى مدى إقبال المستثمرين على الاكتتاب بها، فضلاً عن تحديد التكلفة الحقيقية للاقتراض، ومعرفة حجم الاحتياجات التمويلية والإمكانات المتوافرة في السوق بصورة أكثر دقة.

وأكد أن وجود عائد مرجعي للصكوك والسندات، على غرار ما هو معمول به في مختلف دول العالم، يمثل ركناً أساسياً في تطوير السوق المالية، لأنه يساعد المؤسسات المالية على تسعير أصولها المالية وغير المالية بصورة صحيحة.

ولفت أخيراً إلى أن هذا العائد المرجعي يكتسب أهمية كبيرة أيضاً بالنسبة للمستثمرين، إذ يعتمد عليه عند إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية من خلال احتساب معدل الخصم اللازم لخصم التدفقات النقدية المستقبلية والوصول إلى قيمتها الحالية، ما يجعل وجوده ضرورة تخدم المؤسسات المالية والمستثمرين والاقتصاد بصورة عامة.

شارك