بقلم الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم
يعود معرض دمشق الدولي هذا العام في دورته الثالثة والستين خلال الفترة الممتدة من 26 آب حتى 4 أيلول 2026، برعاية رئاسية وتنظيم من وزارة الاقتصاد والصناعة وإدارة المعرض، في توقيت لا يخلو من دلالة اقتصادية.
فالبلد الذي يحاول الخروج من انكماش طويل يحتاج إلى ما هو أبعد من الأجنحة والزوار، يحتاج إلى آلية لتحويل الاهتمام الخارجي إلى تدفقات رأسمالية مسجلة ومقاسة.
قراءة الدورة السابقة تعطينا خط الأساس الذي نقيس عليه، الدورة الثانية والستون في أيلول 2025 استقطبت نحو 2.261 مليون زائر، وتجاوزت قيمة العقود والاتفاقيات المبرمة فيها 935 مليار ليرة سورية، بمشاركة 44 دولة و800 شركة محلية وأجنبية بينها 267 شركة دولية، موزعة على مساحة عرض تقارب 95 ألف متر مربع.
الرقم الأخير يبدو ضخماً بالليرة، لكن ترجمته بأسعار الصرف السائدة حينها لا تتجاوز 80 إلى 90 مليون دولار، أي أقل من كلفة مصنع إسمنت متوسط.
هنا يبدأ التحليل الجاد، فالرقم الاسمي، أي القيمة المعلنة بالعملة المحلية قبل تعديلها بالتضخم أو بسعر الصرف، ليس مؤشر نجاح بحد ذاته، والمعيار الحقيقي هو نسبة التحول، أي حصة مذكرات التفاهم التي انتقلت فعلياً إلى عقود منفذة وتراخيص استثمار صادرة.
الخلفية الكلية تجعل هذا التمييز أكثر إلحاحاً، أعلنت الحكومة أن موازنة 2026 تبلغ 10.5 مليارات دولار بزيادة تقارب خمسة أضعاف عن موازنة 2024، بعدما ارتفع الإنفاق الحكومي من ملياري دولار في 2024 إلى 3.5 مليارات في 2025، مع حديث عن ناتج محلي إجمالي بلغ نحو 32 مليار دولار وتوقعات بوصوله إلى ما بين 50 و60 مليار دولار خلال العام الجاري.
والناتج المحلي الإجمالي هو القيمة النقدية لكل السلع والخدمات النهائية المنتجة داخل حدود الدولة خلال سنة، غير أن هذه التقديرات تتباعد بوضوح عن غيرها، فقد توقع البنك الدولي نمواً بنسبة 1% في 2025 مع انكماش نصيب الفرد بنسبة 2.7%، فيما تحدث مسؤول في وزارة المالية عن نمو 5% في 2025 وتوقع 10 إلى 15% في 2026.
هذه الفجوة في الأرقام هي بالضبط ما يقرأه المستثمر الأجنبي قبل أن يوقع، ومعرض بحجم دمشق الدولي هو المكان الطبيعي لتضييقها عبر بيانات معلنة وقابلة للتدقيق.
التغيير الجوهري في دورة هذا العام أنها تحاول الانتقال من منطق المعرض الاستهلاكي إلى منطق المنصة الاستثمارية.
فقد خصصت الأيام الثلاثة الأولى لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية تأكيداً للهوية الاقتصادية للحدث، مع إطلاق منتدى دمشق الاقتصادي العالمي كمنصة حوار بين الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين.
وهذا تصميم صحيح من حيث المبدأ، لأنه يفصل بين وظيفة العرض الجماهيري ووظيفة التفاوض التجاري، ويمنح اللقاءات الثنائية بين الشركات وقتاً مؤسسياً بدل أن تكون هامشاً على ضجيج الزوار.
المؤشرات الإقليمية تدعم فرضية الفرصة، فالصادرات الأردنية إلى سوريا ارتفعت بنسبة 38.4% خلال الثلث الأول من 2026، بعد أن كانت قد سجلت نمواً بنسبة 41.7% في أول شهرين من العام ذاته، هذا النوع من الأرقام يقول شيئاً واحداً: السوق السورية عادت تمتص السلع، وأصبحت وجهة تصديرية صاعدة لجيرانها.
والسؤال المطروح على صناع القرار هو ما إذا كانت البلاد ستبقى سوقاً للاستيراد أم ستتحول إلى قاعدة إنتاج تصدّر بدورها؟ وهو تحديداً ما يجب أن تقيسه نتائج المعرض.
لتحقيق ذلك، ثمة شروط لا يصنعها المعرض وحده:
أولها: استعادة القنوات المصرفية المراسلة، إذ لا معنى لعقد موقع إذا تعذر تحويل ثمنه.
وثانيها: استكمال منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يخفف كلفة الامتثال على البنوك الأجنبية.
وثالثها: استقرار سعر الصرف وقابلية تحويل الأرباح، لأن المستثمر يسعّر مخاطر العملة ضمن معدل العائد المطلوب.
ورابعها: وضوح آليات فض النزاعات وحماية الملكية.
من المفيد أن تعتاد إدارة المعرض على إصدار تقرير متابعة بعد ستة أشهر من كل دورة، يوضح عدد الاتفاقيات الموقعة، وما تحول منها إلى مشاريع مرخصة، وحجم فرص العمل الناتجة، وقيمة ذلك كله بالدولار إلى جانب الليرة.
بهذه الخطوة ينتقل معرض دمشق الدولي من كونه مناسبة سنوية تُقاس بعدد زوارها إلى كونه أداة تنموية تُقاس بقدرتها على تحويل الاهتمام إلى رأس مال عامل، الفرصة قائمة وحقيقية، لكن تحقيقها مرهون بالشفافية في القياس أكثر من ارتباطه بحجم الترويج.
