تعويم الأسعار وربط الأجور بالتضخم والضريبة على مجمل الدخل.. ملامح عامة لسياسة مالية هادفة

يبدو أن السياسة المالية المتبعة لدى الحكومة الحالية لاتزال محط تساؤل وجدل بين الخبراء الاقتصاديين، فالبعض يؤيد إجراءاتها المتبعة للنهوض بالاقتصاد الوطني وتصحيح مساره، والبعض الآخر ينادي بالتصحيح وفق المفاهيم العامة، والاستئناس بالتجارب الدولية المعتمدة بغية تحقيق التوازن بين دفتي الاقتصاد من أسعار وأجور، والنهوض من العثرات، والتحسب للمخاطر المحدقة به، مع ضرورة تحقيق تناغم وانسجام بين السياستين المالية والنقدية لتنفيذ الإصلاحات المالية والنقدية الاقتصادية اللازمة لكل مرحلة.

تساؤلات مشروعة 

وكما تعتبر دراسة تحليلية للنشاط المالي للقطاع العام، وما ينتج عن هذا النشاط من آثار بالنسبة لمختلف قطاعات الاقتصاد القومي، فإن المفاهيم العامة للسياسة المالية تشمل كافة الوسائل التي تتدخل الحكومة بها للتأثير في حجم الطلب الكلي، والتأثير في مستوى الاستخدام القومي، وحجم الدخل القومي،  وبالتالي تتضمن تكييفاً كمياً بحجم الإنفاق العام والإيرادات العامة بغية تحقيق الأهداف الاقتصادية، والنهوض بالاقتصاد القومي، إلا أن السياسة الحالية ما زالت تستنهض قدرة المفكرين الاقتصاديين لمعرفة أهدافها، ومدى قدرتها لإصلاح ما دمرته الحرب، وإعادة الإعمار، وزيادة حجم المساعدات الاجتماعية لمساعدة الفقراء، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

في البداية 

وبيّن الخبير الاقتصادي الدكتور علي كنعان أن السياسة المالية تتضمن مجموعة من الإجراءات التي تتخذها الحكومة لحملة النشاط الاقتصادي، مستخدمة كافة الوسائل المالية المهمة للتأثير في المتغيرات الاقتصادية الكلية، وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وبالتالي تتجلى أهدافها لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تمويل الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والثقافة والرياضة، وإعادة توزيع الدخل القومي، وتقديم الإعانات للفقراء، وللعاطلين عن العمل، بالتوازي مع العمل على زيادة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار الصناعي من خلال الإعفاءات الضريبية، والمزايا المقدمة للمستثمرين، وتمويل إقامة المدن الصناعية، وتشجيع التصدير، والحفاظ على استقرار قيمة العملة الوطنية من خلال تمويل عجز الموازنة بالقروض العامة بدلاً من الإصدار النقدي الذي يؤثر سلباً على سعر صرف العملة الوطنية، كما تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي من خلال التشجيع على الاستثمار، وتحقيق الاستقرار والتوازن المالي، فمعظم هذه الأهداف توضح مدى تدخل السياسة المالية في التأثير على المتغيرات الاقتصادية الكلية.

مقارنات بالإنفاق

يعد الإنفاق العام داعماً للإنفاق الكلي في الاقتصاد الوطني، فكلما ازداد حجم الإنفاق الحكومي أدى بالنتيجة لزيادة الطلب الكلي، وزيادة الاستهلاك، الأمر الذي يشجع على زيادة الإنتاج، وهنا أكد كنعان أن الإنفاق الحكومي يعبّر عن دور الدولة وتدخلها بالاقتصاد من جهة، كما يعبّر عن العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وبما أن الإنفاق الحكومي يخصص لعدة أغراض كتمويل الخدمات الاجتماعية، والبلديات والمدن، والإعانات الاجتماعية، قدم كنعان مقارنة بين عدة سنوات مفصلية في مسار الاقتصاد الوطني بين من خلالها أن دور الدولة المتمثّل بالإنفاق الحكومي عام 2000 بلغ نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي، وازداد عام 2005 إلى 29%، وهذه النسبة هي أعلى نسبة مسجلة، ثم بدأت الدولة بالتراجع لتفسح المجال أمام القطاع الخاص، فتراجع دورها في عام 2010 إلى 26%، أي بمقدار ثلاث نقاط، أما خلال الأزمة فانخفض معدل الإنفاق الحكومي إلى 15.5%، وتابع انخفاضه في عام 2017 إلى 12.4%، ويقدر اليوم بحدود ما بين 12-15% تقريباً.

تراجع وترد! 

مما سبق وضح كنعان النتائج المترتبة على هذا التراجع بانخفاض حجم الخدمات الحكومية في الصحة والتعليم والثقافة، وغيرها من الخدمات، وتراجع الخدمات العامة في المحافظات والبلديات، رافقهما ترد بإشباع الحاجات العامة في الاقتصاد الوطني، ما أدى إلى ازدياد حالة الفقر، وتعبّر الأجور عن هذه النتيجة، إذ أصبح الأجر يفي بـ 10% من احتياجات الأسرة، كما يؤدي تراجع حجم الاستهلاك بالضرورة إلى انخفاض الإنتاج، وتراجع حجم الاستثمار.

للأغنياء الحصة الأكبر! 

وفيما يخص السياسة المالية العامة التي تلعب دوراً مهماً في إعادة توزيع الدخل القومي لصالح الفقراء، أكد كنعان أن العدالة الاجتماعية تتحقق من خلال زيادة الضرائب المباشرة، وانخفاض غير المباشرة، بالتوازي مع زيادة حجم الإنفاق على الخدمات الاجتماعية، وخدمات المدن والبلديات بهدف تحسين مستوى المعيشة، ولكن تبيّن أنه في عام 2000 حصل الأغنياء على 74.5% من الدخل القومي، بينما حصل الفقراء على 25.5% منه. وفي حال إضافة الإنفاق الاجتماعي، الذي بلغ آنذاك 16%، تكون حصة الفقراء 41% مقابل 58.5% للأغنياء، أما في عام 2005 فكانت حصة الأغنياء 41% مقابل 59% للفقراء وفيه تحققت أعلى درجات العدالة الاجتماعية لتعود للانخفاض في عام 2010 بمقدار 20%، إذ بلغت حصة الفقراء 39.6% مقابل 60.4% للأغنياء، واستمرت بالانخفاض إلى النصف تقريباً في عام 2017 بمعدل 33.5% للفقراء إلى 66.5 للأغنياء، وعلى الرغم من الانخفاض الملحوظ على حصة الفقراء، إلا أن عام 2021 سجل معدلات خطرة وصلت إلى 10% فقط، ومع إضافة الإنفاق الاجتماعي تصبح 20% فقط، والحصة الأكبر للأغنياء بـ 80%، ما يعني تراجعا في مستوى تدخل الدولة، وانخفاضا في مستويات العدالة الاجتماعية لامست بها حد الخطر.

منعكسات سلبية 

هذه المحصلة – أكد كنعان – نجمت عنها العديد من الآثار السلبية تمثّلت بتراجع كبير في مستوى الخدمات الاجتماعية، وازدياد معدلات الفقر، حيث يعاني نحو 80% من السكان من الفقر، وعدم القدرة على إشباع الحاجات الغذائية، رافقتها مظاهر اجتماعية سلبية كالبطالة، وانتشار السرقات، والفساد بكافة أشكاله، كما استحوذ اقتصاد الظل على أكثر من 50% من الاقتصاد الكلي.

تصحيح السياسة المالية 

كنعان قدم عدة حلول مقترحة من شأنها تصحيح الخلل الحاصل في السياسة المالية العامة من خلال إصلاح الإنفاق العام بهدف الاستمرار في تمويل الخدمات الاجتماعية، بالتوازي مع وقف أنظمة خصخصة الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم “المدارس والجامعات” لمنع التدهور الاجتماعي، كما طرح ضرورة تحويل نظام الإعانات عن طريق السلع المدعومة للشكل النقدي للفقراء والعاطلين عن العمل وتحرير الأسعار.

جملة ضرورات

وطالب كنعان بإجراء إصلاح ضريبي حقيقي يتضمن الانتقال من الضرائب النوعية للضريبة إلى الضريبة على مجمل الدخل أولاً، يليه الانتقال من ضرائب الاستهلاك إلى ضريبة القيمة المضافة، وتعويم الأجور والأسعار وسعر الصرف كمتغيرات اقتصادية تعمل بحرية في الاقتصاد الوطني، مع ضرورة ربط الأجور بالتضخم بهدف الحفاظ على مستوى معيشي مقبول لأصحاب الرواتب والأجور، الأمر الذي يؤدي بالضرورة لزيادة حجم الاستهلاك من جهة، والإنتاج والاستثمار من جهة أخرى، مع التأكيد بعد إجراء كل تلك الخطوات على دور الدولة الهادف لتحقيق العدالة بإعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء بدلاً من توزيعه للأغنياء.

الانسجام المالي والنقدي

وكنتيجة حتمية لتلك الإجراءات، تتبلور الأهداف الاقتصادية للمرحلة القادمة المتمثّلة بزيادة معدل النمو الاقتصادي من خلال تشجيع الإنتاج والاستثمار “تحرير الاستثمار”، وزيادة الإنتاجية، ومعدل نمو القيمة المضافة، وتحقيق التوازن النسبي بين الأجور والأسعار،. وهنا ركز كنعان – من وجهة نظره – على ضرورة الاستمرار بسياسة التمويل بالعجز ريثما يتم طرح السندات والصكوك اللازمة لتمويل عجز الموازنة، بالتوازي مع تمويل مرحلة إعادة الإعمار من خلال القروض الخارجية، والسندات والصكوك ريثما تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، وترفع العقوبات عن سورية، وتحقيق التناغم والانسجام بين السياستين المالية والنقدية للتعاون في إجراء الإصلاحات المالية والنقدية الاقتصادية.

البعث

شارك