مع انعدام الحلول الحكومية.. المواطن يبحث عن “بدائل” من جيوب الأغنياء!

لم يعد خافياً على أحد الانشطار النصفي لمجتمعنا اليوم بعد سنوات الحرب، التي أدّت إلى وجود طبقتين لا ثالثة بينهما. ولعلّ من حسن حظ الطبقة الفقيرة عدم قدرتها على رؤية نظيرتها الثرية بشكل مباشر وملموس، ولاسيّما أن أجواء وطقوس الأثرياء يناسبها فترة المساء، أما الصباح فيبقى حكراً على السواعد التي لا تهدأ عملاً لسدّ رمق أبنائهم، ويتجلى ذلك واضحاً برؤية شوارع العاصمة ليلاً مزينة بأحدث أنواع السيارات ومكتظّة مطاعمها بعالم برّاق لا يمكن رؤيته صباحاً، بل على العكس تكون هذه المطاعم كروادها مغلقة طوال ساعات النهار في حين تكون المحال الشعبية ملاذ من يرغب ويسمح له جيبه بالتنفس قليلاً، إذ لم يعد تأمين لقمة العيش بالنسبة للطبقة الثانية أمراً بديهياً وخاصّة مع موجات الارتفاع التي لم يعد المواطن قادراً على اللهاث خلفها، لتنهض الأمهات خاصّة والشابات لابتكار مصادر رزق لهم من جيب الأغنياء.

استنباط حلول
فمع عدم قدرة الحكومة على تصحيح المطارح الضريبية وإيجاد نظام ضريبي يحاكي الفقراء، ويذهب ريعه من جيوب الأغنياء بطريقة جذابة لصالح الفئة الأشد فقراً، ومع استحالة إيجاد الحكومة لمصادر تمويل غير جيب المواطن، ثمناً لخدمات باتت من البديهيات والمجانيات في دول أخرى بدلاً من تنشيط الزراعة أولاً وتسهيل عودة الصناعات الرئيسية ثانياً، كان لزاماً على المواطن البحث عن مصادر رزق تؤازر الراتب “الممسوح أصلاً” منذ القبض عليه، فمع انتهاء الغالبية العظمى من الطبقة “المشحرّة” من بيع بقايا ممتلكاتهم من غرامات الذهب أو حتى كماليات ورفاهيات الفرش والأثاث المنزلي، ولاسيّما الذي يعتمد على الكهرباء، سارع الكثيرون لإيجاد مصادر رزق تعود بمنفعة مادية لهم من جيوب الأثرياء، كمتاجرة الكثيرات بشعرهن مثلاً، والعمل على استعمال زيوت لتطويله بشكل أسرع وبيعها كل فترة كأحد الأساليب الحديثة لجني المال، فتجارة الشعر الطبيعي باتت أمراً رائجاً ومربحاً وله زبوناته من الطبقة الغنية، الأمر الذي تحدث عنه فادي “صاحب صالون تجميل”، لافتاً إلى أن أغلب البائعات هن من سكان المخالفات والضواحي في حين زبونات الشراء هنّ من عالية القوم، ناهيك عن قيام الكثيرات ببيع شعر بناتهن والعمل على استثمار هذه الميزة عند العائلات ممن لديهن أكثر من فتاة في المنزل، لتصبح هذه الظاهرة حلاً إسعافياً لبعض المشاكل الاقتصادية الآنية، إلّا أنها لا تخضع لضوابط كتحديد سعر وصلة الشعر مثلاً وفقاً لجودة الشعر وطوله وغيرها من الأساسيات التي يجب التقيّد بها، لنجد بعض البائعات يطلبن بالوصلة مليون ليرة وأخريات يرفعن السقف لثلاثة ملايين!.

في المقابل، وجد البعض بإنشاء مشاريع صغيرة في المنازل تعود عليهن بمصدر رزق من جيوب الطبقة الأخرى، لتزداد ظاهرة بيع المونة المنزلية عبر صفحات التواصل الاجتماعي خلال السنتين الأخيرتين، لتشمل المونة جميع الأصناف من المربيات والزيتون والمكدوس وصولاً إلى إعداد طبخات جاهزة فقط لالتهامها ممن يرغبن بتناول “لقمة نضيفة” دون بذل أي جهد سوى دفع مبالغ لجيوب الفقراء ممن يصنعن هذه الوجبات دون “منية أو شفقة”.

ضرائب تعويضية
وقُبيل حلول شهر رمضان المبارك سارعت الكثيرات لإعداد الوجبات وتقديم العروض التي ستحلّ ضيفاً على موائد الجيوب “المليانة”، في حين ستكون وسيلة للفقراء لإتمام الشهر بأقل الخسائر والديون الممكنة، ولاسيّما مع عدم اتخاذ الجهات المعنية أي خطوة لجهة تخفيض الأسعار أو تقديم العروض سوى السلّة الرمضانية، فعلى الرغم من الانخفاض الواضح بسعر الصرف الذي يتبنّاه التجار كشماعة لرفع الأسعار، إلّا أنه مازال انخفاضاً وهمياً أو ربما لا نيّة للتجار بخفض الأسعار تطبيقاً لمقولتهم الشهيرة “مستحيل شي ينخفض بعد ما ارتفع سعرو”. بالتالي، انتهى المواطن من عملية انتظار حلول الحكومة وبدأ جاهداً يبحث عن حلول يومية، بحسب ما تحدث عنه الخبير الاقتصادي محمد كوسا، فرفع الأسعار قُبيل شهر رمضان أو مواسم الأعياد بات “موضة” عند التجار، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار السلع غير مرتبط فقط بسعر الصرف، ولاسيّما مع اعتماد التجار على مبدأ التحوّط بنسبة لا تقلّ عن 20%، خاصّة وأن سعر السلع مرتبط بتوفر عوامل الإنتاج والنقل والطاقة وغيرها من التكاليف، ناهيك عن أن السلع البديلة تعدّ سبباً من أسباب ارتفاع الأسعار.

وتحدث كوسا عن الدور السلبي لمؤسسات التدخل الإيجابي والتي تبتعد شهراً تلو الآخر عن دورها المؤثر لتصبح الأسعار في الأسواق العادية أخفض منها. وبرأيه، لا بدّ من البحث عن حلول بديلة عن السلة الرمضانية التي لا تكفي إلّا أياماً قليلة، ولعلّ الحلّ الأفضل اليوم هو تشجيع المشاريع الصغيرة التي تعمل الأسر عليها تحت اسم “الضرائب التعويضية” وتنظيم عملها ببرنامج يقوم على جمع التبرعات من جيوب الأغنياء، أي مساهمتهم برضا وقبول بفتح مشاريع صغيرة للفقراء، عندها ستعطي الحكومة حزمة من التسهيلات للأغنياء كالتعامل الضريبي أو الخدمي معهم، مشيراً إلى قصورنا اليوم في هذا الموضوع في ظل غياب رؤية لإدارة المشاريع الصغيرة الموجودة، وما يجري اليوم لا يخرج من إطار “تمشاية الحال”، ولم ينف الخبير الاقتصادي وجود تقصير بالتحصيل الضريبي وآليات عمله التي تحتاج لإعادة بناء نظام ضريبي أكثر مرونة وقدرة على تحقيق العدالة.

هدر كبير 
في المقابل، تحدث الدكتور الاقتصادي حسن حزوري عن الكثير من مطارح الخلل في السوق الاقتصادي المحلي، بدءاً من عدم تساوي العرض مع الطلب في السلع والخدمات المقدمة، والذي يؤدي للاحتكار ورفع الأسعار، إضافة إلى تقصّد الحكومة تقييد الاستيراد ومنع الكثير من العمل في هذا الإطار، يُضاف إليه الهدر في الكثير من المطارح والذي كان آخره قرار رفع سقف صيانة أسطول السيارات الحكومية، ووجه حزوري سؤالاً للحكومة حول عدم انخفاض الأسعار على الرغم من انخفاض سعر الصرف، الأمر الذي يؤكد أن منع استيراد الكثير من السلع والتضييق المقصود على المستوردين إضافة إلى قرار المنصة غير الصحيح جميعها ساهم برفع الأسعار، مشيراً إلى لجوء الحكومة لرفع أسعار الخدمات الأساسية والمعروفة بأنها رمزية في بقية الدول بدلاً من البحث عن حلول جذرية بفكر إبداعي يخرج من نمطية التفكير التقليدي.

كذلك وجد حزوري أن الإنتاج السوري اليوم هو في أدنى مستوياته وخاصّة في ظل اختفاء ما يسمى توازن السوق والذي سيقودنا إلى كارثة اقتصادية في حال الاستمرار باعتماد الفكر التقليدي في إدارة اقتصاد البلاد، لافتاً إلى أهمية تشجيع الاقتصاد المنزلي وتأمين المواد اللازمة لهذه المشاريع بشكل مباشر أو غير مباشر من جيوب الميسورين مادياً، ذلك لأن هذه المشاريع تسدّ فجوة فقرهم من جهة وتقدم سلعاً أكثر جودة وبسعر أرخص من السوق بكثير.

البعث

شارك