منظومة ضريبية جديدة.. رفع كفاءة التحصيل بدل زيادة العبء

الثورة السورية – نور جوخدار

تتجه المنظومة الضريبية في سوريا نحو مسار جديد يرتكز على رفع كفاءة التحصيل وتوسيع الامتثال الضريبي، في إطار مقاربة تستهدف تعزيز الإيرادات العامة وتنظيم النشاط الاقتصادي.

وتبرز هذه التوجهات مع إعادة النظر في آليات الجباية وقواعد التطبيق، بما يعكس تحولاً في إدارة الملف الضريبي نحو أدوات أكثر انتظاماً، تعيد توزيع العبء بشكل أوسع وتحدّ من الفجوات القائمة في منظومة التحصيل.

وقال وزير المالية محمد يسر برنية: إن الدولة قدّمت تخفيضات كبيرة في الضرائب مقارنة بما كانت عليه سابقاً حيث أصبحت المنظومة الضريبية في سوريا اليوم من الأقل بين دول المنطقة والعالم، رغم الحاجة إلى زيادة الموارد لتمويل الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وأشار برنية إلى أن تخفيض الضرائب يقابله العمل لتحسين الامتثال، والرهان في ذلك على حسن تجاوب قطاع الأعمال، لا سيما أن الضرائب على أرباح الشركات خُفضت من 28 بالمئة إلى ما دون 15 بالمئة، مع وجود حوافز للقطاع الصناعي، وقطاعات مهمة تبلغ الضريبة عليها صفراً مثل الزراعة.

ركيزتان أساسيتان

يقوم مسار الإصلاح الضريبي في سوريا على ركيزتين أساسيتين، تتمثل الأولى في البعد الاجتماعي عبر تخفيف الأعباء عن محدودي الدخل وتعزيز الحماية لهم، فيما ترتبط الثانية بدعم النشاط الاقتصادي من خلال مساندة قطاع الأعمال والصناعة، بما يسهم في تحفيز النمو وتوسيع فرص العمل، وفق برنية.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن تصريح وزير المالية حول التوجه إلى تحسين إجراءات التحصيل وليس رفع الضرائب، يحمل دقة في الصياغة ويعكس فهماً متقدّماً لمنطق السياسة الضريبية الحديثة، مع حضور مفارقة عملية في تطبيقه.

وأوضح عبد الكريم لصحيفة “الثورة السورية”، أن تحسين التحصيل لا يغير النسبة المفروضة على المكلف، لكنّه يوسع ما يُدفع فعلياً، خصوصاً في اقتصاد كان يعتمد على التهرب أو التحصيل الجزئي، وهو ما يُعرف بـ “الزيادة الخفية”، أي أن من كان يدفع نحو 5 بالمئة من الضريبة المستحقة على دخله، سيجد نفسه مع تحسن كفاءة التحصيل يدفع النسبة الكاملة المقررة قانوناً، والتي قد تصل إلى 15 بالمئة، ما يعني ارتفاع العبء الفعلي عليه من دون تعديل في النسبة الرسمية.

كما أشار إلى أن الاقتصاد غير الرسمي، الذي يُقدَّر بأكثر من 60 بالمئة من الناتج المحلي، سيتقلّص تدريجياً مع تحسّن آليات التحصيل.

وأضاف أن هذا التوجه منطقي لأنه يُوسع قاعدة المكلفين بدلاً من زيادة العبء على القلة الملتزمة، لكنه يطرح إشكاليات، منها احتمال ضغط السيولة لدى القطاع الخاص قبل تعافي قدرته على التوسع، وافتقار عدد من المكلفين لسجلات محاسبية منظّمة بعد سنوات الحرب، والحاجة إلى إدارة ضريبية كفوءة ونزيهة لضمان نجاح تحسين التحصيل، إلى جانب أن التشدد في التحصيل في غياب خدمات عامة ملموسة قد يدفع نحو التهرّب بدلاً من الامتثال.

أوضح وزير المالية أن كلّ مواطن أو موظف يقل دخله السنوي عن 50 مليون ليرة قديمة يُعفى من الضريبة، ويضاف إلى ذلك مبلغ ستة ملايين ليرة بدل إعالة وثمانية ملايين ليرة بدل معيشة تشمل الإيجار والطبابة، ليصل إجمالي الدخل المعفى من الضريبة إلى 64 مليون ليرة سورية قديمة سنوياً.

ويمثل هذا السقف المقترح قفزة نوعية من الإعفاء الشهري السابق البالغ 837 ألف ليرة أي نحو 10 ملايين سنوياً ليصل إلى 64 مليون ليرة سنوياً، أي ما يقارب 5.3 ملايين ليرة شهرياً، وهي زيادة كبيرة جداً تعكس رغبة واضحة في إعفاء الغالبية العظمى من الأجور والأنشطة الصغيرة من الضريبة.

ويعادل المبلغ 5.3 ملايين ليرة شهرياً أكثر من أربعة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور البالغ 1,256,000 ليرة بموجب المرسوم 67، وأكثر من ضعف سلة الإنفاق الأدنى التي يقدّرها برنامج الأغذية العالمي بـ2.3 مليون ليرة، وهذا يعني أن السقف يُعفي بشكل كامل جميع الموظفين في القطاع العام، ومعظم موظفي القطاع الخاص، وشريحة واسعة من المهن الحرة والتجار الصغار والمتوسطين، بحيث قد لا تتجاوز قاعدة المكلفين الفعليين 5 بالمئة إلى 10 بالمئة من القوى العاملة، وهي نسبة منخفضة جداً بالمعايير الدولية التي تتراوح عادة بين 30 بالمئة و50 بالمئة، بحسب عبد الكريم.

رفع سقف الإعفاء

من المقرر تطبيق المنظومة الضريبية الجديدة تدريجياً، حيث يبدأ تنفيذ جزء منها خلال العام الحالي، على أن يدخل الجزء الآخر حيز التطبيق اعتباراً من العام المقبل، بما يتيح انتقالاً منظماً ويقلل من حالات الالتباس أو الأعباء غير المبررة خلال مرحلة التنفيذ.

وأشار الخبير الاقتصادي عبد الكريم إلى أن المقارنة مع النظام الضريبي السابق تُظهر حجم التحول، إذ كان الحدّ الأدنى للرواتب المعفى من الضرائب خلال عهد النظام المخلوع، يبلغ 279 ألف ليرة شهرياً، مع شرائح تصاعدية تصل إلى 15 بالمئة للدخل الذي يتجاوز 1,100,000 ليرة، وبذلك يرفع القانون الجديد سقف الإعفاء أكثر من 20 ضعفاً، ويُخفض المعدلات العليا من 35 بالمئة إلى 15 بالمئة كحد أقصى.

ورأى أن النموذج الضريبي السوري الجديد يقترب من نظيره الخليجي المبسط، وهذا اختيار له مبرراته في مرحلة جذب الاستثمار وإعادة الإعمار، لكنّه رغم ذلك، يُضعف مبدأ العدالة، فالفارق بين من يربح ستة ملايين شهرياً ومن يربح 60 مليوناً ضئيل في العبء الضريبي النسبي، في اقتصاد يعيش فيه 90 بالمئة تحت خط الفقر بينما تُعلن صفقات استثمارية بالمليارات.

وتلامس هذه النقطة مفارقة السياسات الضريبية، فالأنظمة ذات السقوف العالية والمعدلات المنخفضة تبدو عادلة لكنّها تُنتج إيرادات محدودة، ما يدفع الدولة إلى تعويض النقص من الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة المبيعات البالغة 5 بالمئة، ومن الرسوم الجمركية التي شكلت 39 بالمئة من إيرادات موازنة 2025 البالغة 3.447 مليار دولار، ومن تعرفة الكهرباء والمحروقات، وتعد هذه الضرائب غير المباشرة الأكثر انحيازاً ضد الفقراء ضمن ما يُعرف بالتضخم الجبائي.

وأضاف الخبير أن الإشكالية الثانية تتعلق بربط السقف برقم ثابت من دون ربطه بمؤشر حيّ ما قد يُفقد القرار معناه بعد سنوات، لأن السقف قد يتآكل بفعل التضخم ويدخل مكلفون جدد تحت سقف الضريبة دون قرار، وهي ظاهرة تُعرف بـ “الزحف الضريبي”، والحل هو ربط السقوف بمؤشر التضخم أو بمعامل الحدّ المعيشي.

أما الإشكالية الثالثة فتتعلق بكفاية الإيرادات، إذ إن الضريبة على الدخل تشكل عادة ما بين 20 بالمئة إلى 40 بالمئة من إيرادات الدول المتطورة، لكن يتوقع أن تبقى حصتها في سوريا محدودة جداً بسبب ضيق القاعدة الضريبية، ما يُجبر الدولة على الاعتماد المفرط على الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات، وهذا الاعتماد يجعل الموازنة هشّة، خاصة أن موازنة 2026 البالغة 10.5 مليار دولار تتضمن عجزاً قدره 1.8 مليار دولار أي ما يعادل 5 بالمئة من الناتج المحلي.

كما أن الإعفاءات الإضافية التي يقدّمها القانون، كإعفاء الصادرات ومداخيل الأنشطة الزراعية والأرباح الموزعة والودائع المصرفية وتداول الأسهم، توسع الفجوة الإيرادية دون توفير موارد بديلة واضحة.

ودعا عبد الكريم إلى تعزيز ضريبة الأرباح على الأنشطة الريعية مثل العقارات والمضاربات المالية.

وشدد على أن السياسة الضريبية تُقاس بمدى تكاملها مع التصاعدية وإدماج الاقتصاد غير الرسمي والتوازن بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة، بما يحدد ما إذا كان القانون الجديد خطوة إصلاحية شاملة أم مجرد تخفيف ضريبي قد ينتقل أثره لاحقاً إلى المستهلك عبر ضريبة المبيعات بنسبة 5 بالمئة.

قيمة مضافة وتجارب دولية

أكد وزير المالية منح إعفاءات للمنشآت المتضررة لدعم إعادة تشغيلها، والانتقال من رسم الإنفاق الاستهلاكي إلى ضريبة مبيعات أكثر بساطة، مع إعفاء السلع الأساسية ونحو 9300 سلعة وخدمة.

كما أشار إلى معالجة التفاوت في الالتزام الضريبي عبر استهداف المتهربين، ومكافأة الملتزمين، ضمن توجه لتعزيز العدالة الضريبية ومكافحة الفساد.

وأوضح الخبير عبد الكريم أن الانتقال إلى ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 بالمئة بدلاً من ضريبة المبيعات يُعد خطوة إيجابية مناسبة لمرحلة الانطلاق، ويعكس تحولاً في البنية الضريبية غير المباشرة باتجاه نموذج أكثر حداثة، إذ إن ضريبة المبيعات تُفرض مرة واحدة عند البيع النهائي وتتيح فرصاً أكبر للتهرب، بينما تُفرض ضريبة القيمة المضافة على مراحل الإنتاج والتوزيع مع إمكانية استرداد الضريبة على المدخلات، ما يحد من التهرب عبر إشراك جميع أطراف السلسلة في عملية الرقابة الضريبية.

ووفق الخبير، يُعد معدل 5 بالمئة الأدنى إقليمياً ومدروساً لمرحلة التطبيق الأولى، إذ سبق أن اعتمدته الإمارات عام 2018 بعد ثلاث سنوات من الإعداد وواجهت تحديات في السنة الأولى، كما طبقته السعودية قبل أن ترفعه لاحقاً إلى 15 بالمئة.

وفي المقابل يبلغ المعدل 16 بالمئة في الأردن، و14 بالمئة في مصر التي احتاجت إلى أربع سنوات لاستقرار الإيرادات، بينما يصل إلى 20 بالمئة في تركيا والمغرب.

ويقترب المعدل السوري من النموذج الخليجي في مرحلته الأولى، وهو خيار يُنظر إليه كملائم لاقتصاد ما زال هشاً ولا يحتمل معدلات مرتفعة، لا سيما مع اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي.

في هذه الحالة، قد لا يتمكن التاجر الذي يشتري من مورد غير مسجل من استرداد الضريبة، ما يدفعه إلى تمريرها للمستهلك، لتتحول من 5 بالمئة إلى عبء تراكمي قد يصل إلى 10 بالمئة أو 15 بالمئة بحسب طول سلسلة التوريد، وهي ظاهرة تُعرف بـ”التتابع الضريبي”.

ويُعد اعتماد معدل منخفض وسيلة لتقليل التهرب وتسهيل الامتثال، مع إمكانية رفعه تدريجياً بعد نضوج المنظومة.

وتُظهر تجارب دولية أن النتائج ترتبط بدرجة الإصلاح الشامل، ففي جورجيا بعد عام 2003 جرى خفض عدد الضرائب من 21 إلى 7، وارتفعت كفاءة التحصيل من أقل من 30 بالمئة إلى أكثر من 80 بالمئة خلال خمس سنوات، ما ضاعف الإيرادات رغم خفض المعدلات، نتيجة التبسيط والرقمنة ومكافحة الفساد. في المقابل، واجهت الأرجنتين صعوبات رغم محاولات تحسين التحصيل من دون معالجة البيروقراطية، ما أدى إلى تفاقم التهرب.

كما يُنظر إلى التحول نحو ضريبة القيمة المضافة كبديل عن ضريبة المبيعات، ما يتطلب تنسيقاً زمنياً لتفادي أي فجوة في الإيرادات، إذ إن تطبيقها في السنة الأولى غالباً ما يكون أقل حصيلة بسبب تحديات التنفيذ.

وعلى مستوى الأسعار، قد يؤدي معدل 5 بالمئة إلى ارتفاع يتراوح بين 3 بالمئة و7 بالمئة بحسب القطاعات، ما يستدعي عادة استثناء السلع الأساسية مثل الخبز والدواء والتعليم والرعاية الصحية.

إصلاح الإدارة الضريبية

حدد الخبير عبد الكريم عدداً من شروط نجاح تطبيق الضريبة، أبرزها إطلاق منظومة فوترة إلكترونية شاملة قبل التنفيذ، وربط قواعد بيانات الضرائب بالجمارك والسجل التجاري لتعزيز الشفافية وتبادل المعلومات، إضافة إلى اعتماد فترة تسوية انتقالية تتراوح بين 12 و18 شهراً تُعالج خلالها المطالبات المتراكمة مقابل الالتزام المستقبلي.

واقترح عبد الكريم إصلاح الإدارة الضريبية عبر التأهيل ورفع الأجور للحدّ من الفساد، وربط التحصيل بتحسين ملموس في الخدمات العامة، إلى جانب تحديد قائمة واضحة للسلع المعفاة، وتبسيط إجراءات تسجيل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير آلية سريعة لاسترداد الضريبة، وإطلاق حملات توعية للمكلّفين والمستهلكين.

وخلص الخبير إلى أن نجاح هذه المرحلة يتطلب تنفيذها جدية عالية وتخطيطاً دقيقاً، مع التأكيد على اعتبار ضريبة القيمة المضافة أداة لتنظيم الاقتصاد وتقليل الاقتصاد غير الرسمي، بما يعزز الانتقال من التحصيل التقليدي إلى نموذج ضريبي أكثر كفاءة وتنظيماً.

شارك