التأمين التكافلي.. بديل للنموذج التقليدي أم خيار موازٍ

تفتح التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا آفاقاً جديدة أمام قطاع التأمين، مع توقعات بتوسع نشاطه خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، يبرز التأمين التكافلي كأحد النماذج التي تستقطب اهتماماً متزايداً، لما يقدمه من آلية مختلفة في إدارة المخاطر، وسط تساؤلات حول موقعه في السوق، ومدى قدرته على أن يكون بديلاً للتأمين التقليدي أو خياراً مكملاً له.

ويقوم هذا النموذج على مبدأ التعاون والتكافل بين المشتركين، إذ تُودع الاشتراكات في صندوق مشترك يُستخدم لتعويض الأعضاء عند تحقق الخطر المؤمن عليه، بينما تتولى شركة التكافل إدارة الصندوق واستثمار أمواله مقابل أجر أو وفق صيغة استثمار متفق عليها، بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية. ويختلف عن التأمين التقليدي في أن العلاقة تقوم على تقاسم المخاطر بين المشتركين، بدلاً من انتقال الخطر إلى شركة التأمين.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في قطاع التأمين سامر العش، أن التأمين التكافلي يُعد بديلاً مناسباً للتأمين التقليدي في كثير من الحالات، لكنه ليس بديلاً كاملاً في جميع الأسواق والظروف.

وأضاف العش لصحيفة “الثورة السورية”، أن الفرق الجوهري بين النموذجين يكمن في طبيعة العلاقة التعاقدية؛ فالتأمين التقليدي يقوم على انتقال الخطر من المؤمن له إلى شركة التأمين مقابل قسط محدد، بينما يعتمد التأمين التكافلي على تقاسم المخاطر بين المشتركين من خلال صندوق تكافلي تتولى شركة التكافل إدارته مقابل أجر أو وفق صيغة استثمارية متفق عليها، مثل الوكالة أو المضاربة.

مزايا جوهرية

حول المزايا الجوهرية للتأمين التكافلي عند تطبيقه وفق المعايير الصحيحة، أوضح العش أنه يعزز روح التكافل والتعاون بين المشتركين، وإمكانية إعادة الفائض التأميني إلى المشتركين بعد تغطية الالتزامات والاحتياطيات، إضافة إلى بناء الثقة لدى شريحة واسعة من العملاء الذين يفضلون الحلول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

ومع ذلك، أشار العش إلى أن نجاح هذا النموذج يعتمد على مجموعة من المقومات الأساسية، في مقدمتها الإدارة الاحترافية، والرقابة الشرعية والفنية الفعالة، والملاءة المالية القوية، والتشريعات الداعمة، ورفع مستوى الوعي بطبيعة العقد التكافلي، الذي يقوم على تحمل المشتركين جزءاً من المخاطر، وليس الاكتفاء بدورهم كمشترين للحماية التأمينية.

تحديات عملية

رغم مزاياه، يواجه التأمين التكافلي، عند التطبيق، تحديات عدة، في مقدمتها طبيعة الخطر المؤمن عليه؛ إذ يحقق كفاءة في تأمين الأفراد، والمركبات، والتأمين الصحي، والحماية والادخار، والممتلكات البسيطة، أما في الأخطار الكبيرة والمعقدة، مثل تأمين الطيران، والمنصات النفطية، والمسؤوليات المهنية الضخمة، فيصبح الاعتماد على إعادة التأمين التقليدي شبه ضروري، بسبب محدودية قدرة الصناديق المحلية وقلة معيدي التأمين التكافلي المتخصصين. ويجعل ذلك التأمين التكافلي، في بعض الحالات، معتمداً على آليات تقليدية، بما يقلل من استقلاليته، وفق العش.

وأضاف الخبير أن التحديات تشمل أيضاً التقارب التنظيمي، إذ تخضع شركات التكافل في معظم الأسواق لمتطلبات الملاءة المالية والاحتياطيات نفسها المطبقة على شركات التأمين التقليدي، مع فصل حسابات المساهمين عن المشتركين. ورأى أن هذا التقارب يجعله، في الممارسة، “تأميناً تقليدياً بصياغة شرعية” من حيث الضمانات، ما يثير تساؤلات حول مدى اختلاف جوهره عن النموذج التقليدي.

وأشار العش إلى تحدٍّ آخر في التطبيق العملي يتمثل في إعادة الفائض بين التسويق والواقع؛ إذ يُروَّج لإعادة الفائض بوصفها إحدى أبرز مزايا التأمين التكافلي، إلا أن الواقع يُظهر أنها قد تكون ضئيلة أو معدومة بعد خصم التكاليف والاحتياطيات، لا سيما في السنوات الأولى أو في الفروع ذات معدلات الخسائر المرتفعة. لذلك، شدد على ضرورة إدراك العملاء أن التأمين التكافلي يقوم على مبدأ تقاسم المخاطر، ربحاً وخسارةً، وليس على ضمان استرداد الأموال.

ومن التحديات الأخرى، بحسب العش، العامل السلوكي والثقافي؛ ففي الأسواق الناشئة، يشكل الدافع الديني والثقة عاملاً رئيسياً في توجه شريحة من العملاء نحو التأمين التكافلي، لكن مع نضج السوق تصبح معايير السعر، وجودة الخدمة، ومستوى التغطية التأمينية، هي العامل الحاسم في الاختيار. لذلك، قد يظل التأمين التكافلي خياراً لفئة تفضل الامتثال لأحكام الشريعة، ما لم يتمكن من منافسة التأمين التقليدي من حيث الأداء والتكلفة، بما يتيح له التحول إلى خيار واسع الانتشار.
وخلص العش إلى أن التأمين التكافلي يمثل نموذجاً مختلفاً لإدارة النشاط التأميني، يجمع بين البعدين الشرعي والتعاوني، إلا أن نجاحه يظل مرهوناً بالإدارة المهنية، والرقابة الشرعية والفنية الفاعلة، والتوعية السليمة للمشتركين. وأكد أنه متى توافرت البيئة المناسبة، فإنه يستطيع منافسة التأمين التقليدي بفاعلية، وإثراء السوق بمنتجات أكثر استدامة.

إصلاحات تنظيمية

في قراءة لفرص حضوره في السوق السورية، يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن التأمين التكافلي قد يشكل خياراً يسهم في تنشيط سوق التأمين واستقطاب شرائح جديدة من المواطنين، لا سيما الراغبين في المنتجات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وقال سليمان لصحيفة “الثورة السورية”، إن التأمين التكافلي يمكن أن يسهم في توسيع قاعدة المؤمن عليهم، وزيادة معدلات الشمول المالي، وتحفيز الادخار والاستثمار من خلال توظيف الأموال في أدوات استثمارية متوافقة مع الضوابط الشرعية، بما يوفر مورداً إضافياً لدعم النشاط الاقتصادي.

لكن، رغم المزايا التي يقدمها، أوضح سليمان أن اعتبار التأمين التكافلي بديلاً كاملاً للتأمين التقليدي في سوريا ما زال يتطلب توافر عدد من المقومات، في مقدمتها إطار تشريعي وتنظيمي واضح، وكفاءات متخصصة لإدارة هذا النوع من التأمين، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بمفهومه وآليات عمله.

كما يتطلب نجاح التجربة وجود سوق استثمارية قادرة على استيعاب أموال صناديق التكافل، فضلاً عن توفير منتجات متنوعة تلبي احتياجات الأفراد والشركات في مجالات التأمين الصحي، والمركبات، والممتلكات، وغيرها.

وأضاف سليمان أن النظر إلى التأمين التكافلي بوصفه خياراً مكملاً، وليس بديلاً إقصائياً، من شأنه تعزيز المنافسة، ورفع جودة الخدمات التأمينية، وتوفير خيارات أوسع للمواطنين تتناسب مع احتياجاتهم وقناعاتهم.

وفي ظل الحاجة إلى إعادة تنشيط قطاع التأمين السوري، يرى سليمان أن التأمين التكافلي قد يشكل فرصة واعدة إذا اقترن بإصلاحات تنظيمية، وبيئة استثمارية مستقرة، وثقة متبادلة بين الشركات والعملاء، ليكون عندها رافداً جديداً يسهم في تعزيز الاستقرار المالي ودعم التنمية الاقتصادية.

شارك