خاص – «المال»
عندما تتجاوز قيمة الصادرات حاجز ملياري دولار خلال عام واحد، فذلك يعتبر مؤشراً اقتصادياً إيجابياً، ويصبح السؤال حول أهمية موقع سوريا على خارطة التجارة الإقليمية والدولية واقعياً فهل تمتلك سوريا اليوم فرصة حقيقية لاستعادة موقعها على هذه الخارطة؟
الأرقام التي أعلنتها هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات تكشف عن تحول لافت في أداء التجارة الخارجية، بعدما تجاوزت الصادرات السورية خلال عام 2025 حاجز ملياري دولار، وذلك خلال الاجتماع الموسع الذي عقده المكتب الإقليمي لاتحاد المصدّرين والمستوردين العرب في دمشق أيار الماضي مع توقعات رسمية بأن يكون عام 2026 أكثر زخماً.
هذه المؤشرات لا تعكس ارتفاعاً في حجم التصدير فحسب، وإنما تشير إلى بداية انتقال الاقتصاد السوري من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة البحث عن أسواق وفرص نمو جديدة، واللافت أن أكثر من 80% من قيمة الصادرات جاءت من القطاعين الزراعي والإنتاجي، وهو ما يعكس استمرار قدرة هذين القطاعين على توفير قيمة مضافة رغم سنوات الحرب والعقوبات والتحديات اللوجستية.
كما يكشف ذلك عن احتفاظ المنتجات السورية بميزة تنافسية في عدد من الأسواق التي ما زالت تطلب السلع الغذائية والصناعات التحويلية السورية، لكن الرهان الحكومي لا يقف عند حدود زيادة الصادرات، بل يتجه نحو إعادة صياغة منظومة التجارة الخارجية بالكامل.
وفي هذا السياق، تعمل الجهات المعنية بالتنسيق مع اتحاد المصدرين والمستوردين العرب واتحادات غرف التجارة والصناعة على إطلاق روزنامة سنوية للمعارض الدولية، في خطوة تستهدف تحويل المعارض من مناسبات موسمية إلى أدوات تسويق دائمة للمنتج السوري.
ويبرز التوجه نحو الأسواق الإفريقية باعتباره أحد أهم التحولات في الاستراتيجية التجارية السورية، فالقارة الإفريقية، بما تمتلكه من أسواق استهلاكية واسعة ونمو اقتصادي متسارع في عدد من دولها، أصبحت هدفاً رئيسياً للمنتجات السورية، إلى جانب تعزيز الحضور في الأسواق العربية التقليدية التي شهدت خلال السنوات الماضية تراجعاً في حجم التبادل التجاري.
وفي موازاة ذلك، يجري العمل على تطوير البنية التحتية للمعارض عبر إنشاء مواقع جديدة في حلب وحمص، بما يعزز قدرة سوريا على استضافة فعاليات اقتصادية دولية واستقطاب الشركات والمستثمرين، خاصة مع عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً في عدد من المحافظات.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن الجهود المبذولة لإعادة تنشيط القطاع الصناعي، إذ تركز الخطط الحالية على إعادة تأهيل الورش الصغيرة والمصانع المتوقفة، باعتبارها العمود الفقري للإنتاج المحلي، فزيادة الصادرات لا تتحقق عبر فتح الأسواق فقط، بل تتطلب أيضاً رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض تكاليف التصنيع.
وفي جانب آخر، يشكل التحول الرقمي أحد المحاور الجديدة في تطوير التجارة السورية، فالاعتماد على الرقمنة في إنجاز المعاملات التجارية والمالية، وتسهيل عمليات الشحن والتخليص، يمثل خطوة ضرورية لتقليل الوقت والتكاليف، ورفع مستوى الشفافية، وتحسين بيئة الأعمال، وهي عوامل أصبحت من متطلبات المنافسة في التجارة الدولية، كما تتجه دمشق إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية خارج الإطار التقليدي، وهو ما برز في اللقاءات الأخيرة بين اتحاد غرف التجارة السورية والقائم بالأعمال الياباني، حيث جرى بحث آفاق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار وبناء القدرات.
ورغم أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين ما تزال محدودة، فإن فتح قنوات تعاون مع اقتصادات متقدمة يحمل دلالات تتجاوز حجم التبادل التجاري، ويعكس رغبة في تنويع الشركاء الاقتصاديين.
وفي السياق ذاته، تواصل الحكومة العمل على إزالة العقبات التجارية مع كل من الأردن والعراق، وهما من أهم الشركاء التجاريين لسوريا، فتبسيط الإجراءات الجمركية وتحقيق مبدأ المعاملة بالمثل من شأنهما إعادة تنشيط حركة السلع عبر المنافذ البرية، وتقليل تكاليف النقل، وزيادة فرص وصول المنتجات السورية إلى أسواق المنطقة.
كما أن تنظيم سلسلة المعارض التخصصية في دمشق بمشاركة نحو 450 شركة محلية وعربية وأجنبية يؤكد وجود اهتمام متزايد بإعادة ربط السوق السورية بشبكات الأعمال الإقليمية، فهذه المعارض لم تعد مجرد منصات لعرض المنتجات، بل أصبحت فضاءات لعقد الشراكات واستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة والبناء.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبقى نجاح الاستراتيجية التجارية السورية مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها تحسين البيئة الاستثمارية، واستقرار التشريعات الاقتصادية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتأمين التمويل اللازم للمصدرين، إضافة إلى تعزيز جودة المنتجات بما يتوافق مع المعايير الدولية.
ويبدو أن التجارة السورية تدخل مرحلة مختلفة عنوانها «التوسع بدلاً من الاكتفاء بالصمود»، فالصادرات التي تجاوزت ملياري دولار ليست نهاية الطريق، بل بداية اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد السوري على استعادة حضوره في الأسواق الخارجية، وتحويل الانفتاح التجاري إلى رافعة للنمو والإنتاج والتشغيل، وإذا نجحت الخطط المعلنة في فتح أسواق جديدة وربط المنتج السوري بشبكات التجارة الدولية، فقد تتحول التجارة الخارجية خلال السنوات المقبلة إلى أحد أبرز محركات التعافي الاقتصادي في سوريا
