الكهرباء.. تجارب دولية في رفع الكفاءة وخفض الفاتورة

تتصدّر الكهرباء في سوريا قائمة التحديات الخدمية والاقتصادية الراهنة، في ظل ارتفاع كلف الإنتاج وتراجع كفاءة الشبكات وزيادة أعباء الفواتير على المواطنين. وبين محدودية الموارد وضغط الاستهلاك، تتعاظم الحاجة إلى مقاربات إصلاحية تقوم على تحسين الكفاءة وتقليل الهدر وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بما يتيح تخفيف الفاتورة.

ويعاني القطاع من تحديات هيكلية مزمنة تشمل تلفاً واسعاً في البنية التحتية، ونسباً مرتفعة من الفاقد الفني وغير الفني في شبكات النقل والتوزيع، إلى جانب الاعتماد الكبير على المحطات الحرارية المكلفة. وفي المقابل، تبرز مؤشرات داعمة لمسارات الإصلاح، من بينها منح دولية مقدمة من البنك الدولي لإعادة تأهيل خطوط النقل، إضافة إلى توجه نحو توسيع مشاريع الطاقة المتجددة، لا سيما الشمسية، في بلد يتمتع بإشعاع شمسي يتجاوز 2800 ساعة سنوياً.

وفي هذا السياق، تتزايد أهمية تبنّي حلول عملية ومستدامة ترتكز على رفع كفاءة الإنتاج والتوزيع، وترشيد الاستهلاك، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، بما يخفف العبء عن المواطنين ويحافظ على التوازن المالي للدولة، ضمن معادلة تجمع بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، كخيار ضروري لدعم التعافي الاقتصادي واستعادة الاستقرار المعيشي.

تجارب دولية

في سياق البحث عن حلول مستدامة لأزمة الكهرباء، تبرز تجارب دول عدة نجحت في إصلاح منظومة الدعم وخفض العبء عن المواطنين وتحقيق وفر مالي وتطوير قطاع الطاقة.

المغرب

بدأ المغرب منذ عام 2013 تنفيذ إصلاح تدريجي لدعم الوقود بهدف تقليص العبء على المالية العامة، بالتوازي مع توجيه جزء من الموارد نحو الاستثمار في مشاريع استراتيجية، من أبرزها برنامج الطاقة المتجددة ومشروع “نور ورزازات”. وقد أسهمت هذه الاستراتيجية في تعزيز حصة الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء بشكل تدريجي خلال السنوات اللاحقة، ضمن رؤية أوسع للانتقال نحو نموذج طاقي منخفض الكربون.

الأردن

في عام 2012، بدأ الأردن تنفيذ إصلاح تدريجي لدعم الوقود ضمن برنامج مالي مدعوم من صندوق النقد الدولي، شمل رفع أسعار المحروقات إلى مستويات تعكس الكلفة الحقيقية، بالتوازي مع إطلاق برنامج تحويلات نقدية مباشر استهدف شريحة واسعة من الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط. كما اعتمدت الحكومة آليات حماية لشرائح الاستهلاك المنخفض من الكهرباء، بهدف التخفيف من الأثر الاجتماعي للإصلاح وتقليل العبء عن الموازنة العامة.

مصر

بدأت مصر منذ عام 2014 تنفيذ برنامج تدريجي لإصلاح دعم الطاقة، شمل رفع أسعار الوقود والكهرباء على مراحل امتدت لعدة سنوات، مع تطبيق نظام تعرفة تصاعدية للكهرباء حسب مستويات الاستهلاك. وترافق ذلك مع توسع في برامج الحماية الاجتماعية، أبرزها برنامج “تكافل وكرامة”، في إطار التوجه نحو تقليل عبء الدعم عن الموازنة العامة وتحسين كفاءة الإنفاق، بحسب تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

الهند

أطلقت الهند عام 2024 برنامج “PM Surya Ghar” لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية على أسطح المنازل، مستهدفة نحو 10 ملايين منزل، مع تقديم دعم مالي للأسر لتغطية جزء من كلفة التركيب، قد يصل إلى نحو 78 ألف روبية بحسب حجم النظام. ويهدف البرنامج إلى تعزيز الاعتماد على الطاقة الشمسية المنزلية وتقليل فاتورة الكهرباء للأسر، ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع مصادر الطاقة المتجددة في البلاد.

مزيج مدروس

محلياً، يرى الخبير الاستثماري محمد الطباخ، أن الواقع السوري اليوم، مع التقنين والفواتير المرتفعة نسبياً على الاستهلاك المتاح، يؤكد أن مزيجاً مدروساً من برامج كفاءة الطاقة، وتوسيع الطاقة المتجددة، وإصلاح منظومة الدعم يمكن أن يحقق انخفاضاً ملموساً في التكاليف على المواطنين.

ويقول الطباخ لصحيفة “الثورة السورية” إن سوريا تعاني من تلف واسع في البنية التحتية، إلا أن هناك بوادر إيجابية متمثلة في منح دولية، من بينها 146 مليون دولار من البنك الدولي لإصلاح خطوط النقل في حزيران الماضي، إلى جانب خطط لتطوير الطاقة الشمسية.

ويقترح الطباخ البدء ببرامج لتحقيق وفر في الطاقة تعود بالنفع على المواطن والدولة معاً، مثل عزل المنازل وتوزيع مصابيح “LED” وأجهزة موفرة للطاقة، ما قد يسهم في تقليل الاستهلاك بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة.

كما يعتبر دعم تركيب الألواح الشمسية على أسطح المنازل، مع نظام بيع الفائض إلى الشبكة (Net Metering)، حلاً واعداً في بلد يتمتع بأكثر من 2800 ساعة سطوع شمسي سنوياً.

ويضيف أن معالجة الفاقد في الشبكات، الذي يتجاوز 25 بالمئة في بعض المناطق، من شأنه توفير موارد إضافية مهمة.

وفيما يتعلق بدعم الحكومة لقطاع الطاقة الكهربائية، يفضّل الطباخ تحويل الدعم –إن وجد– تدريجياً إلى مساعدات نقدية مباشرة للأسر الفقيرة، معتبراً أن دعم القطاع بشكل شامل لم يعد خياراً مجدياً.

ويشير إلى أن نجاح هذه الخطوات يرتبط بالتنفيذ التدريجي والشفافية وحماية الفئات الضعيفة، لافتاً إلى إمكانية استفادة سوريا من الدعم الدولي المتزايد ومن حلول الطاقة الشمسية اللامركزية.

ثلاث خطوات

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي فيصل العطري، أن المواطن اليوم يعيش بين شائعات حول تخفيض سعر الكهرباء ومخاوف من زيادات محتملة، مشيراً إلى أن سعر الكهرباء في سوريا “أعلى من معظم دول العالم”، وفق قوله، ما ينهك الأسر ويضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي والخدمات مثل التجارة والسياحة والزراعة.

ويطرح العطري ثلاث خطوات عملية يرى أنها قادرة على خفض فاتورة الكهرباء بنسبة لا تقل عن 20 بالمئة دون تحميل الدولة أي تكاليف مباشرة.

وأوضح أن أولى هذه الخطوات تشمل معالجة الهدر غير الفني عبر تركيب عدادات للعقارات التي لا تحتوي عليها، مع توقيع شاغل العقار تعهداً يؤكد أن تركيب العداد لا يعني اعترافاً بحقه في شغل العقار. ويقترح العطري استيراد نحو 100 ألف عداد اقتصادي لا يتجاوز سعره 10 دولارات، على أن يُسترد ثمنه على دفعتين من الشاغل، بما يحد من الاستهلاك غير المسجل ويعيد نسبة كبيرة من الطاقة المهدورة إلى الشبكة دون تكلفة على الدولة.

ويقترح ثانياً استثمار الحق المائي في نهر الفرات، مؤكداً أن تشغيل سد الفرات والمساقط المائية بكامل طاقتها سيوفر كهرباء شبه مجانية، ويقلل الاعتماد على المحطات الحرارية المكلفة، بما يخفض كلفة الإنتاج بشكل جذري ومستدام، ويسهم في الوقت نفسه في معالجة مشكلات المياه.

أما الخطوة الثالثة فتتعلق بالمعالجة التدريجية للفاقد الفني، عبر التركيز أولاً على المناطق ذات نسب الهدر الأعلى، ثم التوسع تدريجياً إلى باقي المناطق، نظراً للصعوبات المالية والتقنية التي تواجه إصلاح الشبكة بشكل شامل وفوري.

ويخلص العطري إلى أن تنفيذ هذه الخطوات الثلاث من شأنه رفع كفاءة المنظومة وخفض كلفة التوليد، بما يتيح تخفيض فاتورة الكهرباء بنسبة تتجاوز 20 بالمئة، ويخفف معاناة المواطن، ويعزز القدرة التنافسية للصناعي والتاجر والمستثمر، دون أي عبء إضافي على الموازنة العامة.

ومما سبق، يتضح أن أمام سوريا خياراً يتمثل في إصلاح منظومة الكهرباء، إذ تشير التجارب الدولية الناجحة إلى أن تخفيض الفواتير وتوفير الكهرباء ممكنان دون أعباء إضافية على الموازنة، شريطة مواجهة الهدر، وتعزيز الطاقة المتجددة، وحماية الفئات الضعيفة.

الثورة السورية – مجد عبيسي

شارك